عوائق تلوث الصف... وتعطل النصر
وائل سرحان • مع الدعاة
وما سبق من دواخل الهوى مختلط مع الدنيا المؤثرة التي هي سبب الوهن والضعف الذي أصاب أمتنا في زمن صحوتنا، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- مبينًا سبب ضعف الأمة وهزيمتها وهوانها على عدوها رغم كثرة عددها ( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ). قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ( أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ). قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: ( حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
وحب الدنيا ليس شرطًا أن يكون حب المال والمناصب التي تجلب له التالد والطريف، إنما قد تكون وجاهة ومنزلة في قلوب الخلق، أو قربة من المشايخ وأهل العلم، أو شيئًا مما يجد فيه نفسه وبه يُرضي غرورها، فلنحذر أن نبتغي بالدعوة الوجاهة والشرف ورؤية الخلق وثناءهم.
جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا وَاللهِ، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ). وها هي بعض من زهرة الدنيا فتحت علينا من مناصب حزبية وقنوات فضائية، ومواقع إليكترونية، ومجالس نيابية، وصحافة وإعلام، وتصوير وكاميرات، فهل تحسس كل منا قلبه، وحرس خواطره، ومحَّض نيته، ولم يبتغِ عرضًا من الدنيا قليل، ومن فقدها... هل تمناها وصبت إليها نفسه؟ نسأل العفو والعافية.
لقد كان حب الدنيا سبب هزيمة أفضل جيل عرفه التاريخ وفيهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، رغم أن ذلك كان من بعضهم ولم يكن أمرًا عامًّا متفشيًا فيهم حتى ما كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يتوقع أن يكون من بينهم من يريد الدنيا، ومع ذلك عوتبوا وبُكتوا على ذلك، ونزلت الآيات توضح لهم السبب دون مجاملة قال -تعالى-: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) (آل عمران:152) .
إن اتباع الهوى صفة من يصد عن سبيل الله -تعالى- وهو طريق الردى، قال -تعالى-: ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ) (طه:16) .
وإن صاحب الهوى خطر على الدعوة ومستقبلها فهو تسهل استمالته من قِبَل أعدائها والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجرًا في خاصرة الدعوة، داعيةً لتثبيط العزائم.
من أجل خطورة الهوى وما يسبقه ويلحق به أو يتداخل معه من الأمراض ومن أجل أنه من العوائق الداخلية التي تلوث الصف وتعطل النصر قال ابن تيمية -رحمه الله-: "جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه".
إنها عوائق في طريق الجهاد والنصر...
والحمد لله رب العالمين.