شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عوائق تلوث الصف... وتعطل النصر

وائل سرحان • مع الدعاة

والعجب باب الكبر... فإبليس أعجب بأصل خلقته فأبى واستكبر وكان من الكافرين، والإعجاب بالرأي والهوى المتبع قرينان؛ فـ"الهوى ظلمة تحرمك الرؤية؛ وإن ملكتَ آلة الإبصار، فكأن نور العلم أضعف من أن يخترق حجاب الهوى". قال -تعالى-: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) (الجاثية:23) .

فالهوى يعمي ويصم، وهو سبب للغشاوة: ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (الجاثية:23) ، ومن اتبع الهوى كان أمره ضائعًا: ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف:28) ؛ لذلك روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعاذ من ذلك الهوى فقال: "اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي"؛ فالرشد هو العلم بما ينفع، وشرور النفس هو ظلمها، وهو اتباع الهوى.

و"صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار"، فلا يسمع لكلام داعية ولا قائد ولا عالم إلا ما وافق هواه، ولا يعمل من الأعمال الدعوية إلا ما يوافق رغبته وهواه أو ما يجد فيه نفسه، وما لا يهواه فهو عنه معتذر وله ناقد، و"تراه معتزلاً كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى سبيلاً، مقربًا لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلاً"، "لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه".

و"صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة"، فــ"إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه"؛ لذلك يتبرم من أمر النصيحة، يتصنع أحيانًا لقبولها، ولا يقبل منها إلا ما كان موافقًا لغرضه وهواه، فيمنعه الهوى عن قبول نصح المخلصين، ويستفحل أمر عدم قبول النصح عند من تقادم عهده في الالتزام -واشتهر لقدمه في الدعوة- ولم يأخذ حظه من العلم أو تربية النفس.

ولأن الإعجاب بالرأي واتباع الهوى قرينان تراهما مشتركين في شق الصف وإحداث الفرقة بين أبناء الدعوة؛ ولأن الهوى يصد عن الحق كان هو باب البدعة؛ لذلك اقترنت البدعة بالهوى فتراهم يقولون: أهل الأهواء والبدع.

وصنف آخر أحسبه من أصحاب الأهواء المعجبين برأيهم وهم طائفة نبتت فرأت المشايخ صغار السن وأذعنت لهم الناس فلم يفهموا من طلب العلم إلا ذاك، فتقمصوا دور المشيخة، ولم يفهموا أنهم يخاطبون أنفسهم بهذا العلم، لقد حذرنا الدعاة إلى الله في بداية التنسك والطلب أن يدعو المرء لنفسه -وهو يدري أو لا يدري- وهو يدعو إلى الله، أو أن يكون همه هو أن يشار إليه بالبنان، وألا يستغل الدعوة وطلب العلم لمصلحة شخصية، أو منفعة دنيوية.

وصنف قريب من الصنف السابق وهم هؤلاء الذين تعلموا وتربوا على يد "الشبكة العنكبوتية"، فكانت هي شيخهم ومربيهم وموجههم وصانع أفكارهم وباني شخصياتهم، شباب غض الإهاب وجد نفسه يناظر ويعلق ويبدي برأيه ويتكلم في ملمات ونوازل لو عرضت على عمر لتهيبها وجمع لها أهل شورته، لكنه غرته صوره -على النت- التي صنعها بنفسه في بيته أو مكان لهوه وصدقها وفرح بها، أو غرته كنيته التي كنى بها نفسه.

هؤلاء غير ذلك الصنف السابق الذين تحدث عنهم أهل العلم قديمًا في ظاهرة التعالم، هم صنف آخر شيخه هو نفسه بعد (نتّه)، لا يسمع لأهل العلم ويعترض عليهم هنا وهناك، ويصوب بعضهم ويخطئ آخرين، وهو لم يحصِّل بعد فروض الأعيان، ولا يحسن أن يصلي أو يتوضأ أو يقرأ القرآن، لم يقرأ يومًا كتابًا ولا جلس إلى شيخ، وتجده ينعق بما لا يفهم، ولمَ لا إن له رأيًا لا بد أن يحترم!

وربما زاد الأمر سوءًا ونفذ هؤلاء لأماكن ما كان ينبغي أن يمروا بجوارها فضلاً عن أن يكونوا أربابها، في غفلة من القادة والدعاة فرضتها عليهم ظروف المرحلة، هكذا زعموا.

بل من هؤلاء من يسقط بعضهم في مهاوي الرذيلة سرًّا، قاده شيخه (النت) إليها، فلا يجد من ينتشله من هذا التردي سوى التخفي خلف صلاح الظاهر بحجة "إذا بليتم فاستتروا"، فتكثر البلوى في الخلوة، ولا تكاد تبين في الجلوة، وبدلاً من الشروع في علاجها وتداركها تراه يستتر عليها من الناس دون الله -عز وجل-، ونظرة إلى فتاوى بعض المواقع الإسلامية التي لا يزورها غالبًا إلا من كان ينتسب إلى صفتها تنبيك عن حالنا، أسأل الله العفو والعافية.

وهناك نوع من الهوى يتسرب إلى الدعاة إلى الله -تعالى- لا أجد تعبيرًا له أوضح من قوله -تعالى-: ( فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (التوبة:58) ، لا ينبغي أن نتعامل في دعوتنا بهذا المبدأ المذموم، فتجد من أبناء الدعوة من هو ساخط عليها ناقم على قادتها، وذلك لأنه لم يولَ عملاً من الأعمال الدعوية، أو لم يفسح له مجال ما يصبو إليه، أو لم يعطوا له مكانًا، فإذا أعطي يومًا ذلك المكان أو فسح له المجال تراه يتغاضى عما كان عنه بالأمس ساخطًا وتجده عنه اليوم مدافعًا، ويستقبح ما كان له مستحسنًا!

وبعضهم يفعل العكس، فإذا منع من أمر كان به ظاهرًا سخط وبدأ يسطر ملاحم التجاهل والإقصاء والاستبعاد، وقتل الكفاءات وعدم استغلال الطاقات أو اكتشاف المواهب أو عدم الوفاء أو احترام السبق.

الصفحة السابقة الصفحة التالية