كيف كنا في رمضان؟ وكيف أصبحنا؟
زين العابدين كامل • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد انتهى رمضان وفاز فيه من فاز وخسر فيه من خسر، ندعو الله أن نكون من الفائزين المقبولين الذين غفر الله ذنبهم، وتقبل أعمالهم، وأعتق من النار رقابهم. اللهم آمين.
شهر رمضان كان ميدانًا لتنافس الصالحين بأعمالهم، ومجالاً لتسابق المحسنين بإحسانهم، وعامل تهذيب للنفوس المؤمنة؛ روَّضها على الفضيلة، وارتفع بها عن الرذيلة.
وبعد انتهاء رمضان... ربما يعود البعض إلى التكاسل عن بعض الطاعات أو الرجوع إلى بعض الذنوب -والعياذ بالله-، بل هناك من أنكر قلبه بالفعل، وتغيرت أحواله وضعف إيمانه، وفترت همته وأغلق مصحفه، وترك صلاة القيام، بل وضيَّع صلاة الجماعة؛ لا سيما صلاة الفجر، وغير ذلك من أنواع الضعف والفتور السريع -ولا حول ولا قوة إلا بالله-.
فكان لا بد من وقفة مع النفس... كان لا بد من تذكرة لعموم المسلمين بصفة عامة والإخوة الملتزمين بصفة خاصة.
أولاً: الدعاء بالثبات:
لا بد من الدعاء بالثبات، فقد كان من دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الاستعاذة من ( الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ ) (رواه مسلم) ، يَعْنِي: مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى النُّقْصَانِ بَعْدَ الزيادة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وأعوذ بك من المعصية بعد الإيمان.
وكان من دعائه -أيضًا-: ( اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ) (رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وقال الألباني في الصحيحة: إسناده جيد) ، والثبات في الأمر أي: على الطاعة والتمسك بدين الله -عز وجل-. فينبغي على العبد أن يسأل الله -عز وجل- الثبات على الأمر، والأمر هو طاعة الله -عز وجل- والتمسك بدينه.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: ( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) . وكان يقول: ( اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ) (رواه مسلم) .
وقال -تعالى-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) ، فمن سار في طريق العبادة إلى الله -عز وجل- لا يقف، ولا يلتفت؛ لأنه لو فعل ذلك انقطع عنه الخير، فينبغي عليه أن يداوم على طاعة الله -عز وجل-، وكان أحب العمل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أدومه وإن قل، وكان عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ديمة، أي: إذا عمل شيئًا من الخير يداوم عليه، فالله -عز وجل- يحب أن يديم فضله، وأن يوالي إحسانه... فيحب من العبد أن يداوم على طاعته حتى يدوم عليه الفضل من الله، وحتى لا ينقطع عنه الخير منه -عز وجل-.
فيحتاج العبد إلى الثبات على الأمر وهو في الدنيا، قال الله -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا... ) (فصلت:30) ، قال بعض السلف: الذين قالوا: "( رَبُّنَا اللَّهُ ) كثير، والذين استقاموا قليل". وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يخطب النّاس على المنبر: "( الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا... ) فقال: استقاموا على طريقة الله بطاعته، ثمّ لم يروغوا روّغان الثعالب". وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: "يعني أخلصوا العمل لله". وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "أدوا الفرائض". وقال ابن عباس: "استقاموا على أداء فرائضه".
وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا... ) يقول: "اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة".
فينبغي على العبد أن يداوم على طاعة الله، فهذا هو الثبات في الأمر، قال الله -عز وجل-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا . وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا . ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ) (النساء:66- 70) .
فالعبد إذا فعل ما أمر الله -عز وجل- به وما أمر به رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو على خير، قال -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) (النساء:66) ، فالعبد إذا أطاع الله -عز وجل- ثبته الله على طاعته، فمن تهاون في تنفيذ أوامر الله ومن عصى الله -عز وجل- فقد أسباب الثبات.
قال -عز وجل-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) أي: في الدنيا والآخرة. ( وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) على طاعة الله عز وجل وعلى طريق الله -عز وجل-.
ثانيًا: الدعاء بالقبول:
لابد أن نهتم بمسالة القبول، عن علي -رضي الله عنه- قال: "كُونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعُوا الله -عز وجل- يقول: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة:27) ". وكان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: "يا ليت شعري من هذا المقبول منَّا فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه، أيها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك".
وعن فضالةَ قال: "لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبةِ خردلٍ، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، لأن الله -تعالى- يقول: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة:27) ".
وقال مالك بنُ دينار: "الخوفُ على العمل أن لا يُقبل أشدُّ من العمل". وتدبر قول الله -تعالى-: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة:127) ، أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يجعل فيه النفع العميم.