شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كيف كنا في رمضان؟ وكيف أصبحنا؟

زين العابدين كامل • التزكية

ثالثًا: الثبات على الثوابت الإيمانية التي حافظنا عليها في رمضان:

- الثبات على صلاة الجماعة في المسجد: فصلاة الجماعة واجبة، قال: ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (البقرة:43) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرخص لابن أم مكتوم وهو أعمى وكان رجلاً ضعيفًا شاسع الدار، وذلك لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ). قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

والدليل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين أيضا أو من النفاق العملي ما ثبت عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق". والأدلة على ذلك كثيرة.

- ومن الثوابت -أيضًا-: "قراءة القرآن": كثير من المسلمين ختم القرآن في شهر رمضان مرات عديدة... وللأسف منهم من أغلق المصحف بعد رمضان! عَنِ ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ ) (رواه البيهقي وأبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني) . وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله أوصني. فقال: (أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: ( عَلَيْكَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ ) (روه ابن حبان، وقال الألباني: حسن لغيره) .

ويروى عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال: "لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله -عز وجل-". ويروى عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قوله: "لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله". فالقرآن نور لنا في الدنيا، ونور لنا في القلب، ونور لنا في القبر، ونور لنا في الآخرة.

وعن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تحاجان عَن صَاحبهمَا ) (رواه مسلم) . وعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ) (رواه مسلم) . ( الْبَطَلَةَ ): أي السحرة.

- ومن الثوابت التي حافظنا عليها في شهر رمضان المبارك: "الصيام": فلماذا نترك الصوم في غير رمضان، والصوم من الأعمال التي تضاعف أضعافاً لا تدخل تحت حصر، ولا يحصيها إلا الذي يجزي بها، ففي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ) (رواه مسلم) .

والسر في كون الصائم يُعطى من غير تقدير... أن الصوم من الصبر، والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، قال -تعالى-: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (الزمر:10) .

قال القرطبي -رحمه الله-: "وقال أهل العلم: كل أجر يكال كيلاً، ويوزن وزنًا إلا الصوم، فإنه يحثى ويغرف غرفًا". وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ) (متفق عليه) . وفي الحديث: ( من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال كَانَ كصيام الدَّهْر ) (رواه مسلم) .

ومن الثوابت -أيضًا-: "قيام الليل": فيا ليتنا نحافظ على قيام الليل؛ حتى ولو بقصار السور، ثم نرتقي تدريجيًّا، قال الله -تعالى-: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ) (الفرقان:63-64) . وقال -تعالى-: ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) (الزمر:9) . وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أتانِي جِبْرِيلُ فقالَ: يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فإنَّكَ مَيِّتٌ وأحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فإنَّكَ مُفارِقُهُ، واعْمَلْ مَا شِئْتَ فإنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ شَرَفَ المُؤمِنِ قِيامُهُ باللَّيْلِ، وعِزُّهُ اسْتَغناؤهُ عنِ النَّاسِ ) (رواه الطبراني والحاكم، وحسنه الألباني) .

وكان سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في القادسية يمر على خيام الأبطال والمجاهدين، فإذا رأى خيمة قام أهلها للصلاة، يقول سعد: "من هنا يأتي النصر -إن شاء الله-".

وكان صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- يمر على جنوده فينظر... إن رآهم في قيام الليل وقراءة القرآن وذكر الله، قال: "من هنا يأتي النصر"، وإن مر عليهم فوجدهم يمرحون ويلعبون قال: "من هنا تأتي الهزيمة".

الصفحة السابقة الصفحة التالية