قرض صندوق النقد الدولي... "وجهة نظر مخالِفة"
زين العابدين كامل • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقبل أن أبدأ في كتابة هذا المقال... أعلن كامل احترامي وتقديري وتوقيري لبعض مشايخنا الكرام الذين قالوا بحل وجواز ذلك القرض، وأنه ليس من الربا، والخلاف معهم لا يكون إلا بأدب واحترام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا؛ لم يبقَ بين المسلمين عصمة ولا أخوة".
وقال الإمام أحمد لعلي بن المديني -رحمهما الله- عندما اختلفا في مسألة وارتفعت أصواتهما: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا في مسالة". ثم أقول:
أولاً:
قد حرَّم الله الربا، لما يترتب عليه من أضرار ومفاسد تعم الفرد والمجتمع، وتتسع دائرة هذا الفساد لتشمل النواحي: الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية، فهو يسبب العداوة بين الأفراد ويقضي على روح التعاون بينهم، وهو يؤدي إلى خلق طبقة مترفة لا تعمل شيئًا، كما يؤدي إلى تضخيم الأموال في أيديها دون جهد مبذول.
حرمه الله؛ لأنه متلفة للأموال، مهلكة للناس، ويؤدي غالبًا إلى الفقر والأزمات الاقتصادية، وفقد أصل المال أو الأرض التي تُباع عادة في نهاية الأمر لتسديد القرض وفوائده المتراكمة.
والربا في الواقع استغلال لحاجة المضطر، وأكل للمال بالباطل، وربح من غير جهد ولا عمل، وهو يوجب غضب الله وانتقامه؛ لذا حرَّم الله الربا بكل أنواعه؛ قليله وكثيره، وجاء تحريمه نصًا في القرآن والسنة، وأجمعت الأمة على تحريم الربا، وقد أُنذر صاحبه بأنه يقوم من قبره يوم القيامة يتخبط كالذي مسَّه الجن، قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا... ) (البقرة:275) .
ولا شك أن أعظم الأنظمة الاقتصادية في التاريخ هو النظام الاقتصادي الإسلامي، القائم على أسس، مِن أهمها: تحقيق مطالب الإنسان الروحية والنفسية؛ لذا فإن الإسلام يضحي بالمال عندما تتعين التضحية طريقًا للسمو الروحي، والتهذيب النفسي والسلوكي للإنسان.
وتتمثل هذه التضحية بأمرين:
الأول: إهدار القيمة المالية لبعض الموجودات؛ لأنها تدنس روح الإنسان، أو تسلب كرامته، كتحريم الخمر، والخنزير، والنجاسات.
الثاني: تحريم بعض المعاملات الاقتصادية رغم ما تحققه من أرباحٍ مادية؛ لأنها تؤدي إلى تحجر القلوب أو إفساد الضمير أو انحراف السلوك أو ضياع مصالح للمسلمين أكبر، ومن ذلك: تحريم بيع السلاح للعدو، وتحريم القمار، والغش، وتحريم الربا.
ثانيًا:
حرَّم الله الربا، وأنزل فيه وعيدًا شديدًا، فقال -سبحانه وتعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:278-279) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) (آل عمران:130-131) .
وقد عدَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات -المهلكات- حين قال: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ ) (متفق عليه) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا، أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وفي رواية: ( الرِّبا ثَلاَثَةٌ وَسَبْعُونَ بَاباً أَيْسَرُها مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زِنْيَةً ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَأْكُلُونَ فِيهِ الرِّبَا ). قَالَ: قِيلَ لَهُ: النَّاسُ كُلُّهُمْ؟ قَالَ: ( مَنْ لَمْ يَأْكُلْهُ مِنْهُمْ نَالَهُ مِنْ غُبَارِهِ ) (رواه أحمد، وصحح الشيخ أحمد شاكر) .
وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (البقرة:172) ، وقال: ( وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا ) (المائدة:88) . فالله -تعالى- يأمر بالأكل الحلال، فلا بد أن يكون الحلال موجودًا، ولا يمكن أن يأمر الله بشيء يستحيل وجوده، فالحلال موجود والحرام موجود، فقد تواترت النصوص على تحريم الربا والتحذير منه.
وقد عجبنا كل العجب... من موقف الحكومة مِن طلبهم قرضًا بفائدة من "صندوق النقد الدولي" زعمًا منهم بأننا في أمس الحاجة لهذا القرض! علمًا بأن هذا الأمر أُثير قبل ذلك في مجلس الشعب، ووقف كثير من النواب حائط صد أمام القرض الربوي لـ"صندوق النقد الدولي"، وذكروا مبررات مختلفة مابين شرعي واقتصادي وسياسي، واعترضوا على ذلك، بل وقدموا البديل من الناحية الاقتصادية؛ فلماذا الإصرار على الاقتراض مع وجود البديل؟!
ثالثًا:
هناك من الأفاضل مَن قال: إن هذه ليست فائدة، وإنما مصاريف إدارية!