شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قرض صندوق النقد الدولي... "وجهة نظر مخالِفة"

زين العابدين كامل • قضايا معاصرة

وأنا أقول وأسأل: ماذا لو قال البنك الدولي: المصاريف الإدارية 3%؟ ماذا كنا سنقول... ؟! علمًا بأن البنك الدولي نفسه قال: إن هذه فائدة قدرها 1.1%، وكذلك قال بعض المسئولين أيضًا، فالعبرة ليست بالمسمى، ولكن بحقيقة الأمر، وقد ثبت عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب -رضي الله عنهم- أنهم "كرهوا أي قرض جر منفعة".

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ شَفَعَ لأَحَدٍ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . "وهل تكون المصاريف الإدارية بالملايين من الجنيهات؟!".

رابعًا:

هناك مَن قال: "هذا أهون من القروض الداخلية؛ لأن الداخلي يكون بفائدة 15% أو أكثر!".

وأقول: وهل ذلك يكون مبررًا؟! لا هذا، ولا ذاك ما دام قد وُجد البديل، مثل ما تقدم به البعض من إلغاء دعم الكهرباء للمنشآت السياحية والفنادق "4، 5 نجوم"، وإلغاء الدعم على بنزين 95، وإلغاء دعم الغاز لمصانع الأسمنت والأسمدة، وأن ذلك سيوفر في حدود 2 مليار دولار، ورفع سعر السولار أو ترشيد دعمه -لمنع تهريبه إلى إسرائيل وغيرها- يوفِّر 2 مليار دولار جنيه، وتفعيل الحد الأقصى للأجور يوفر 100 مليون دولار، وتسريح عدد كبير من المستشارين الوهميين -ومعظمهم ضباط متقاعدون- سيوفر في حدود 2 مليار دولار، ومنع تعيين الضباط المتقاعدين في وظائف إدارية عليا بالدولة على حساب أبناء المؤسسات والشركات، وسرعة إعادة تقييم سعر الأراضي والشركات والمؤسسات الوطنية التي بيعت بأبخس الأثمان خلال العهد السابق يوفر ما يقارب 2 مليار دولار، وغير ذلك من الحلول والبدائل.

خامسًا:

أين نحن من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ( الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ... ) (متفق عليه) .

وكذلك جاء في الشرع أصل سد الذرائع، وهو منع الجائز؛ لأنه يجر إلى غير الجائز، وبحسب عظم المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته، فلا بد من اجتناب الشبهات وهذا الأمر سيفتح بابًا عظيمًا على الناس، والبنوك التي ربما تُغير بعض المسميات وتتحايل على شرع الله؛ لا سيما البنوك التي تقرض بفائدة مخفضة، وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ".

سادسًا:

كان من المقبول أن يُقال: إننا سنقبل القرض مع الإقرار بتحريمه في الأصل نظرًا للظروف الاقتصادية الراهنة للبلاد، وانخفاض الاحتياطي وارتفاع العجز في الموازنة، مما سيؤثر على إمكانية صرف المرتبات للعاملين بالدولة؛ استنادًا لقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"، وكذلك قاعدة: "يرتكب أخف الضررين لدفع أعلاهما، وتترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما"، كأكل الميتة للمضطر، قال -تعالى-: ( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الأنعام:145) .

سابعًا:

مثل هذه الفتاوى الكبرى تحتاج إلى جهود جماعية من العلماء وليست فردية، تحتاج إلى لجان فتوى لمناقشتها أو مجامع فقهية، مع وجود بعض المتخصصين في الاقتصاد لدراسة المسألة من جميع نواحيها والوقوف على حقيقة المصالح والمفاسد المتوقعة، فمثل هذه الفتاوى تتعلق بمصير دول، وليس بأفراد فقط.

ثامنًا:

نوصي بعدم الاقتراض، فإن القروض الربوية نذير شؤم على البلاد والمجتمعات، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا، إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ ) (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني) . وفي رواية: ( إِذا ظَهَرَ الزِّنا والرِّبا فِي قَرْيَةٍ، فقد أحَلُّوا بأنْفُسِهِمْ عَذَابَ الله ) (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني) .

تاسعًا:

أين نحن من هذه الآية: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) (الطلاق:2-3) ؟!

أين التقوى... ؟! أين اليقين... ؟!

أين حسن التوكل على الله؟!

أين الصدق مع الله -عز وجل-؟!

لماذا لم يرجع أصحاب القرار إلى أهل العلم في هذا الأمر؟!

لماذا لم تطلبوا المشورة من أهل العلم الشرعي والاقتصادي معًا؟!

عندما تولى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- إمارة المدينة؛ اتخذ مجلس شورى من عشرة من كبار فقهاء المدينة فلم يقطع أمرًا بدونهم، بل كان دائمًا يطلب منهم النصح والمشورة، وهذا دليل على خشيته لله -تعالى-، وحرصه على قبول النصيحة في جنب الله -تعالى- بلا جدالٍ ولا تعالٍ.

اعلموا أنه لن ينجح اقتصاد قام على الربا أو المعاملات المحرمة... تذكروا قول ملك الملوك: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:278-279) .

فإلي الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة