شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا

زين العابدين كامل • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- في سورة يوسف: ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:64) .

ومن أنواع التوحيد: توحيد الأسماء والصفات، فلابد أن نتدبر أسماء الله -تعالى- ونتعرف على معانيها وندعو الله بها، قال الله -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف:180) .

ومعنى اسم الله الحفيظ أي: الذي حفظ ما خلقه وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من وقوعهم في الذنوب والهلكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات.

فإذا أردت أن تكون محفوظًا بحفظ الله فكن من عباده المتقين، انظر إلى حال يعقوب -عليه السلام- قال له أبناؤه عن يوسف -عليه السلام-: ( أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (يوسف:12) . فلما فعلوا به ما فعلوا وأرادوا أن يأخذوا أخاه بنيامين قالوا مرة أخرى: ( فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (يوسف:63) ، فقال يعقوب -عليه السلام-: ( هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:64) ، ثم لما أُخذ منهم بنيامين أيضًا والأخ الثالث روبيل الذي روي أنه الذي قال: ( فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (يوسف:80) ، قال يعقوب -عليه السلام-: ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ) (يوسف:83) .

فكان على يقين بحفظ الله لأبنائه، وأن الله هو الحفيظ، وها هو يوسف يعود إلى أبيه بعد فراق استمر عشرات السنين كما يظهر في سياق القصة، فقد روي أن امرأة العزيز راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة، ثم كان في السجن بضع سنين، ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع، ثم السبع العجاف وما بعدها... كل هذه السنوات وهو محفوظ بحفظ الله له من كل شر وسوء، نعم... ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ).

وهذا نبي الله إبراهيم -عليه السلام-: الذي حفظ الله -أي حفظ حدود الله وامتثل أمره-، ظل إبراهيم -عليه السلام- يدعو إلى توحيد الله -عز وجل-، وهاجر في سبيل الله من أرض بابل بشمال العراق إلى أرض الشام، ثم إلى مصر، ثم إلى فلسطين، قضى حياته من بلد إلى آخر يدعو إلى الله -عز وجل-، وترك عبادة النجوم والكواكب والأصنام من دون الله.

وكانت العداوة بينه وبين أبيه آزر، فلقد دعا إبراهيم -عليه السلام- أباه آزر إلى التوحيد، قال -تعالى-: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) (مريم:41-48) .

وقد حَفِظ الله إبراهيم -عليه السلام- في كل حدث وموقف خطير، وهذا الحفظ كان واضحًا وجليًّا في كل خطوة يخطوها إبراهيم -عليه السلام-، فندما أرادوا أن يحرقوه لجأ إبراهيم -عليه السلام- إلى ربه، وقال -كما روي في بعض الآثار-: "حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك". وقيل: "إن جبريل وميكائيل -عليهما السلام- أرادا أن ينقذا إبراهيم -عليه السلام-، ولكن كان أمر الله أسرع من توسط الأسباب؛ فصدر الأمر إلى النار مباشرة: ( يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (الأنبياء:69) .

وروي أن إبراهيم -عليه السلام- مكث في النار أيامًا وهو محفوظ بحفظ الله له، بل كان في النار في عيشة هنيئة طيبة حيث روي أنه قال: "ما كنتُ أيامًا وليالي أطيب عيشًا إذ كنت فيها!". فسبحان مَن بيده ملكوت السموات والأرض!

وكذلك حفظه الله عندما هاجر وزوجته سارة -عليها السلام- إلى مصر، وكان ما كان من أمر حاكم مصر الذي أراد أن يعتدي على سارة -عليها السلام-؛ فحفظها الله ونجاها منه، وكذلك حفظه الله في هاجر وإسماعيل -عليهما السلام- في قصة تركه لهما في وادي مكة بلا جليس ولا أنيس، ولا زرع ولا ماء، ثم لجأ إلى الله الحفيظ: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) .

ثم كان ما كان من أمر بئر زمزم، وكذلك حفظه الله يوم أن أمره بذبح ولده إسماعيل -عليه السلام- فأذعن واستجاب لأمر الله فحفظ الله له ولده، قال -تعالى-: ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (الصافات:104-107) .

فالمتأمل في قصة إبراهيم -عليه السلام- يعلم علم اليقين أن الله وحده هو الحفيظ، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: ( يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

فلابد يا عباد الله من استقراء دقيق للواقع الذي نحياه.

لابد لهذه الأمة أن تقوم من مرقدها.

لابد أن نسير جميعًا في طريق الحفظ والنجاة.

الصفحة التالية