شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا

زين العابدين كامل • التزكية

لابد للشعوب أن تحفظ الله في حدوده وأوامره ليحفظها الله -تعالى-، ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ).

وهذا نبي الله موسى -عليه السلام-: فإن المتأمل في قصة موسى -عليه السلام- يرى حفظ الله لأوليائه واضحًا وجليًّا منذ أن كان موسى -عليه السلام- جنينًا في رحم أمه، فإن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم أنه سيخرج غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدث بها القبط ووصلت إلى فرعون؛ فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل؛ حذرًا من وجود هذا الغلام -ولن يغني حذر من قدر-.

وقد جعل فرعون رجالاً يدورون على الحُبالى ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون حتى إن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل أولادهم الذكور، فأمر فرعون بقتل الأبناء عامًا وأن يتركوا عامًا، فروي أن هارون -عليه السلام- ولد في عام المسامحة وأن موسى -عليه السلام- ولد في عام القتل، ولم يكن يظهر على أم موسى علامات الحمل في أثناء حملها حتى إذا وضعته أوحى الله لها وحي إلهام وإرشاد، قال -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص:7) .

فكانت تصنع ما أمرها الله به حتى إنها أرسلته ذات يوم فذهب مع النيل فمر على دار فرعون، وهنا التقطه آل فرعون، وقد ذكر المفسرون أن الجواري التقطته من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم -رضي الله عنها- فلما فتحت التابوت ورأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية الموسوية أحبته حبًا شديدًا، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه فاستوهبته منه، وقالت: ( قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) (القصص:9) ، فقال لها: أما لكِ فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به.

وهكذا حفِظ الله موسى -عليه السلام- منذ أن كان في رحم أمه، وسبحان مَن بيده ملكوت كل شيء!

انظر إلى تدبير الملك -جلَّ وعلا-... ! فإنه كان بالأمس القريب يُخشى على موسى -عليه السلام- من فرعون وقومه، واليوم يُربى موسى -عليه السلام- في بيت فرعون بأمره، وهو الذي ينفق عليه ويربيه... فسبحان الحفيظ!

واستمر حفظ الله لموسى -عليه السلام- طوال حياته؛ حفظه الله في يوم خروجه من مصر إلى أرض مدين بعد حادثة القتل المعروفة، ثم حفظه ونصره في يوم الزينة يوم أن جمع فرعون السحرة، وكانت النتيجة أن قال السحرة جميعًا: ( آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:121) ، قال -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) (الأعراف:117-122) .

ثم حفظه الله في يوم عاشوراء يوم أن خرج موسى -عليه السلام- ومعه بنو إسرائيل وخرج خلفهم فرعون ومن معه حتى وصل موسى -عليه السلام- إلى البحر، وكانت المفاجأة "البحر من أمامهم والعدو من خلفهم"، وهنا قال أصحاب موسى: ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (الشعراء:61-62) .

فكان على ثقة بحفظ الله له فموسى -عليه السلام- قد رضع اليقين من أمه التي ألقته في البحر وكانت على يقين من حفظ الله له، حتى إذا تفاقم الأمر وضاق الحال واقترب فرعون وجنوده في حدهم وحديدهم وغضبهم، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر أوحى الله الحفيظ القدير إلى موسى الكليم: ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:63-68) . وكانت النتيجة: النجاة لمن آمن، والهلاك لمن كفر.

وهكذا يكون حفظ الله لأوليائه وعباده الصالحين، وهذا الحفظ نراه أيضًا في سلفنا الصالح، وليس الأنبياء فقط.

فهذه أسماء بنت الصديق -رضي الله عنهما-، أسلمت قديمًا بمكة وكانت حافظة لحدود الله، ونحن نعلم دورها في حدث الهجرة، يقول عروة بن الزبير -رضي الله عنهما-: "بلغت أسماء مائة سنة من العمر ولم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل!" -قارن بينها وبين الشباب والفتيات اليوم-.

وهذا الإمام الطبري -رحمه الله-، أحد علماء الإسلام الكبار كان يومًا راكبًا على سفينة وهو في السبعين من عمره ومعه مجموعة من الشباب، ولما اقتربت السفينة من الشاطئ قفز الإمام من أعلى السفينة وأراد الشباب أن يفعلوا مثله فعجزوا! فقالوا له: كيف فعلت ذلك وأنت شيخ كبير؟! فقال: هذه الأعضاء حفظناها لله في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر!

وعن يوسف بن الحسين قال: كنت مع ذي النون المصري على شاطئ غدير فنظرت إلى عقرب أعظم ما يكون على شط الغدير -والغدير جزء من الماء يتركه السيل-، وإذا بضفدع قد خرجت من الغدير فركبتها العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت، فقال ذو النون: إن لهذه العقرب لشأن. قال: فجعلنا نقفو أثرها، فإذا برجل نائم سكران وإذا حية قد جاءت فصعدت من عند سرته إلى صدره فاستحكمت العقرب من الحية فضربتها فقتلتها، ورجعت العقرب إلى الغدير فجاءت الضفدع فركبتها فعبرت. فحرك ذو النون الرجل النائم ففتح عينيه فقال: يا فتى انظر مما نجاك الله، وحكى له ما حدث، ثم قال ذو النون:

يـا غـافـلاً والجليل يحـرسه من كل سوء يدب في الظلم

كيف تنام العيون عن مـلـك تـأتـيـه مـنـه فـوائـد الـنعـم

فنهض الشاب، وقال: إلهي هذا فعلك بمن عصاك؛ فكيف بمن أطاعك ورجاك؟! ثم ولى. فقال له ذو النون: إلى أين؟ قال: إلى طاعة الله.

الصفحة السابقة الصفحة التالية