شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعوة السلفية وحزب النور... والدستور والشريعة

صوت السلف • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد أن مَنَّ الله على شعب مصر بزوال الطغيان والاستبداد... خرج علينا مستبدون من نوع آخر يريدون أن يطمسوا هوية الأمة، وأن يقرروا باسمها ورغمًا عن إرادتها مبادئ تتصادم مع شريعتها تحت شعارات براقة مِن: "الحرية - والمساواة - والكرامة الإنسانية".

وهي شعارات معسولة فضفاضة، لم تعرف البشرية منهجًا متوازنًا محققًا لها على الوجه الصحيح إلا في ظل الشريعة الغراء.

ونحن نرى كيف يُروَّج للفواحش تحت مسمى: "حرية الإبداع"؟!

وكيف يُطعن في الثوابت تحت مسمى: "حرية الفكر"؟!

وكيف يُهدم نظام الأسرة تحت مسمى: "المساواة"؟!

ونسي هؤلاء أن مقتضى شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمد ًا رسول الله" أن تشهد أن الله هو العليم الحكيم الخبير، وأنه أعلم بنفسه وبغيره ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) .

وأن شريعته هي المتضمنة لما يقوم بحاجات العباد كما أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام:161) .

وأن موقف المسلم تجاه الشريعة ينبغي أن يكون الاستسلام والخضوع مصداقًا لقول الله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ) (الأحزاب:36) .

وأن حالنا يختلف عن حال الأمم الأخرى والشعوب التي لا تهتدي بنور الوحي ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) (النور:40) ، هذه الشعوب أدركت بعد طول عناء أهميه الحرية، والمساواة، والتكافل الاجتماعي، وغيرها من المعاني... وما زالت تبحث عن الطريقة المُثلى التي تطبق بها هذه المعاني، فهم على وجوههم يهيمون، وفي كل واد يبحثون!

ولو أننا اتبعناهم في ذلك رغم ما عندنا من النور المبين؛ فسيكون مثلنا "كمثل الحمار يحمل أسفارًا"، ويصدق علينا قول القائل:

كالعير في البيداء يقتلها الظما والماءُ فوق ظهورها محمول

ومِن ثَمَّ أنشأت الدعوة السلفية "حزب النور" ليكون ذراعًا سياسيًّا لها، وخاضت الانتخابات البرلمانية، وجعلت حراسة الهوية على رأس خطابها السياسي، مع عدم إغفال الاهتمام بمصالح الناس، وفاز التيار الإسلامي مجتمِعًا بأغلبية في البرلمان؛ إلا أن العالمانيين ضغطوا من أجل أن يحصلوا في تشكيل التأسيسية على نسبة لا تناسب نسبتهم في البرلمان!

وبدأ ممثلو الدعوة السلفية وحزب النور في التأسيسية في الدفاع عن الهوية، ومما يحزننا أن معظم الإسلاميين في التأسيسية خفَّض من سقف مطالبه مراعاة للصوت العالي للعالمانيين؛ مما جعل الخلاف على مواد الهوية في الدستور يبدو أنه "سلفي - عالماني".

ومع هذا... استمرت المناقشات داخل التأسيسية، واللقاءات خارجها في عدة محاور:

الأول: تجويد المادة الثانية التي تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، وكلمة مبادئ إحدى الكلمات التي يستعملها خصوم الشريعة في تفريغ المادة من محتواها، فاقترحنا حذف كلمة "مبادئ" ووضع كلمة "أحكام" مكانها؛ فرفضوا!

ونحن إذ نعلن هذه الحقائق نريد أن نُبيِّن مدى المرونة التي تحلينا بها لكن لا يمكننا أن نصل بهذه المرونة إلى درجة إهدار الأمانة والمسؤولية التي وعدنا الناس بها

فاقترحنا حذفها دون بدل لتبقى: "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"؛ فرفضوا! واستعانوا بالأزهر الذي شفع لهم، وقدَّم لنا تفسيرًا لكلمة مبادئ يُبقي على المادة ملزمة للبرلمان بعدم الخروج عن الشريعة، فاقترحنا "بقاء المادة على ما هي عليه، على أن يُنص على مرجعية الأزهر في تفسير المبادئ"، فوافقوا في أول الأمر، ثم عادوا فرفضوا، بل طالبوا الأزهر نفسه أن يرفض أن يُنص على مرجعيته في الدستور!

وفي نهاية المطاف... تم الاتفاق على بقاء المادة كما هي مع وضع مادة أخرى مفسرة للمبادئ، وتم الموافقة على هذا الاقتراح؛ إلا أننا فوجئنا بحذف هذه المادة من المسودة التي أعلنت على الرأي العام! وهو ما لا يمكننا تمريره، ولا السكوت عليه...

ولم يقتصر عملنا على المادة الثانية، بل تم الإصرار على أن يتم وضع مادة ضابطة في أول باب الحريات تنص على: "تُمارس الحقوق والحريات بما لا يخالف قيم المجتمع ونظامه العام": وهي مادة ضرورية لا تغني المادة الثانية عنها؛ حيث تضبط المادة الثانية التشريع بينما تضبط هذه الممارسات.

ورغم إدراك العالمانيين لهذا الأمر؛ إلا أنهم يحاولون -قدر الإمكان- ترك مواد كثيرة في الدستور مطلقة لتُفَسَّر وفق المعايير الغربية، والمواثيق الدولية للحرية والمساواة.

ورغم الاتفاق على هذه المادة؛ إلا أننا فوجئنا أن المسودة التي أُعلنت... خلت أيضًا من هذه المادة، وهو ما يجب الانتباه التام له.

وعلى محور ثالث: تصدت الدعوة بكل قوة لمحاولة العالمانيين حذف قيد: "بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية" في المادة الخاصة بالمساواة بين الرجل والمرأة، وهو الأمر الذي هدد أحد الليبراليين بالاستعانة بالمنظمات والبرلمانات الغربية لحذف ذلك القيد "مما يؤكد أن القضية ليست لفظية كما يحاولون أن يصوروا في كل قضية يريدون أن يلبسوا على الرأي العام فيها". فهل يدعو مَن دعا إلى تدويل القضية من أجل خلاف لفظي أم أنهم يريدون أن يضعوا في الدستور ألفاظًا تَسحب مرجعية الشريعة الإسلامية؛ لتحل محلها مرجعية مؤتمرات السكان، وغيرها من المؤتمرات الدولية المحارِبة للأخلاق، والساعية لتدمير الأسرة؟!

الصفحة التالية