العلماء بين حرمتهم وخطورتهم (2-2)
مصطفى صبحي • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
خطورة العلماء:
لقد أدرك المنافقون العلمانيون الكارهون للحق -أخزاهم الله- أنه لا يمكن أن تقوم لهم قائمة وللعلماء شأن وهيئة وهيبة في البلاد، فأخذوا في النيل من العلماء وشرعوا في تشويه صورتهم، وتحطيم قيمتهم بالدس واللمز والافتراء والاختلاق، فهم أشد الناس أكلاً للحوم العلماء؛ لما في قلوبهم من الدغل والمعاداة لورثة الأنبياء.
فصار العلماء هم العقبة الكؤود أمام المنافقين ومخططات الأعداء، فهم يمثلون أشد الخطورة عليهم، فالعلماء مكمن خطر متفق عليه بين عقلاء البشر لا ينازع في ذلك إلا من سُلب عقله أو فقد لبَّه، وكيف لا؟! وهل أزعج الملوك والأمراء والسلاطين والحكام إلا العلماء؟ فهم غصة في حلق كل حاكم غير محكِّم لشرع الله، هم أسد الغابة في ساح الوغى، تشل أيديهم ولا تجف أقلامهم، تكبل أيديهم وأرجلهم بسلاسل الأغلال ولا تقيد ألسنتهم عن المقال، هم صمام أمان الأمة؛ نشروا التوحيد في ربوع المعمورة فأغضبوا من نادوا بمساواة الشرك بالتوحيد، أعلنوها مدوية أن الله واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فأرَّقوا من دعا إلى التسوية بين قائل بالتثليث وعبادة المسيح وبين قائل بإفراد الله بالعبودية، قالوا: "إن الحكم إلا لله" فأزعجوا من قالوا: "الحكم للعلمانية!".
إن خطورة العلماء متمثلة في مداهمة أهل الباطل في كل زمان، لقد كان موسى -عليه السلام- وهو النبي الرسول يمثـِّل خطرًا عظيمًا حين قال الملأ لفرعون: ( أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ) (الأعراف:127) ، فموسى عندهم هو المفسد في الأرض، لكن هذه الكلمة كانت ستارًا يخفون وراءه ما تكن قلوبهم من علمهم أنه على الحق ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) .
لقد علموا جيدًا أن موسى -عليه السلام- على الحق، لكن حتى يسودوا سيرته قلبوا الموازين، فقالوا: ما جاء به موسى هو الإفساد في الأرض؛ لأنه يمثل الخطر على كرسي الملك، فكل من سلك طريق الحق هو الخطر الذي يزعج أهل الباطل.
إن خطورة العالم على الحاكم غير المحكِّم لشرع الله في إظهاره لدينه واعتزازه به، ومجابهة الباطل وقادة الكفر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
فالعالِم لا تلين قناته ولا تهن عزيمته، يعلن كلمة الحق وإن توعده الحاكم ورصد له المراصد، حالهم وحال الطاغوت الحاكم كحال النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أبي جهل بن هشام حين قام يصلي عند مقام إبراهيم، فمر به أبو جهل فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟! وتوعده، فما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن أغلظ له القول وانتهره.
لقد امتثل العلماء قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، فصدعوا بالحق قائلين بقول أبي ذر -رضي الله عنه- عندما دخل في الإسلام: "والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم"، فكان سيفًا للحق أمام الباطل حين أنفذ وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- له قائلاً: "وَأَوْصَانِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا" (رواه الطبراني وابن حبان، وصححه الألباني) ، وعندها مدحه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
لقد أخذ الله على العلماء الميثاق أن يبينوه -العلم- للناس ولا يكتمونه، قال -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (آل عمران:187) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا".
وقال القرطبي -رحمه الله-: "قال الحسن وقتادة: هي في كل من أوتي علم شيء من الكتاب فمن علم شيئًا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة"، وقال محمد بن كعب: "لا يحل لعالم أن يسكت على علمه".
صورة من خطورة العلماء:
وصدع العلماء بالحق هو ما جعلهم أعظم ممثلي الخطر على الحكام والسلاطين، حكى التاريخ موقف "العز بن عبد السلام" -سلطان العلماء- مع الملك الصالح "إسماعيل"، وكان الملك الصالح إسماعيل يتولى الشام وبسبب خلاف بينه وبين أبناء عمه تنازل للنصارى عن بعض الحصون، فلما خطب العز بن عبد السلام في جامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة كان مما قاله: "اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر".
وأفتى الناس بعدم جواز بيع الأسلحة للنصارى الذين أخذوا يشترونها من دمشق فغضب الملك، وسجن العز بن عبد السلام، ثم أرسل الملك إلى العز في السجن أحد أعوانه وحاشيته، فقال له: أنا سأتوسط لك عند الملك ليخرجك، ولكني أريد منك شيئًا واحدًا فقط وهو أن تعتذر إلى الملك وتقبل رأسه، فقال العز: دعك عني، والله لا أرضى أن يقبل السلطان يدي -عافاني الله مما ابتلاكم به-، يا قوم أنا في وادٍ وأنتم في واد".