شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العلماء بين حرمتهم وخطورتهم (2-2)

مصطفى صبحي • مع الدعاة

وذهب الملك لمقابلة قادة النصارى فأخذ معه العز بن عبد السلام وسجنه في خيمة، وبينما كان الملك جالسًا مع النصارى إذا بالعز يقرأ القرآن ويصل صوته إليهم، فقال الملك: أتدرون من هذا الذي تسمعون؟ قالوا: لا، قال: هذا من أكبر قساوستنا -ولم يقل: علمائنا-، أتعلمون لماذا سجنته؟ قالوا: لا، قال: لأنه أفتى بعدم جواز بيع السلاح لكم، فقال النصارى: والله لو كان هذا قسيسًا عندنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها، فخجل الملك وأطرق وأمر بالإفراج عن العز بن عبد السلام.

موقف الشيخ " محمد الخضر حسين" شيخ الأزهر مع " محمد نجيب": عندما قامت الثورة في مصر قال محمد نجيب: سنساوي الرجل بالمرأة! فاتصل به الشيخ " محمد الخضر حسين" وقال له: إما أن تتراجع عن قولك أو لأخرجن غدًا لابسًا كفني ومعي جميع الأزهريين في الشوارع، فإما الحياة وإما الموت، فجاءه محمد نجيب وجاءته الوزارة مرددين: يا شيخنا يا إمامنا، نحن نعتذر منك والكلام كان خطأ، فقال الشيخ: لا تعتذروا إليَّ وإنما أعلنوا الاعتذار للعامة، فقالوا: صعب جدًّا أن نعتذر أمام العامة، فقال: إما أن تعتذر يا محمد نجيب أمام الناس عن كلامك وتنفيه أو سأخرج غدًا لابسًا كفني، فأعلن محمد نجيب من الغد أن الصحافة كذبت عليه، وأنه لم يقل شيئًا مما نشر عنه!

وهكذا كانت خطورة العالم على الحاكم في رد أقواله وتصرفاته، وجرأة العالم بالحق وصدعه به أخافت حاكم السوء من عواقب الباطل فصارت تلكم خطورة العالم التي من أجلها روج المنافقون قالة السوء، وساعدهم عليها الحاقدون.

ما وراء الطعن في العلماء:

وبعد معرفة خطورة العالم يظهر ما وراء الطعن في العلماء، فخلف أستار الطعن مآرب أخرى فتسليط الأعداء سهامهم على العلماء لا لأنهم يبغون بذلك جسد العالم، وإنما يبغون دعوته وفكره ومنهاج حياته؛ تلك هي الدماء التي تجري في عروق العالم.

قال العلامة بكر أبو زيد -رحمه الله-: "إذا جُرح شهود الشرع جُرح المشهود به" (تصنيف الناس بين الظن واليقين) ، "إن القدح بالحامل يفضي إلى قدح ما يحمله من الشرع والدين؛ ولهذا أطبق العلماء على أن من أسباب الإلحاد: القدح في العلماء" (الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام) .

"إن جرح العالم ليس جرحًا شخصيًّا كأي جرح في رجل عامي، لكنه جرح بليغ الأثر يتعدى الحدود الشخصية إلى رد ما يحمله العالم من الحق" (لحوم العلماء مسمومة) .

الطعن في العلماء ومخططات اليهود:

وبالطعن في العلماء تمرر مخططات الأعداء، ففي مخطط من مخططات اليهود في أحد بروتوكولاتهم: "وقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين في أعين الناس -ويعنون برجال الدين: العلماء من غير اليهود-، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي يمكن أن تكون عقبة كؤودًا في طريقنا، وإن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل يومًا فيومًا".

وأخيرًا: إلى آكلي لحوم العلماء... وإلى العلماء:

إلى الطاعنين في العلماء... وإلى مروجي قالة السوء، لقد وفيتم لأعدائكم وتربصتم الدوائر ومكرتم بعلمائكم: ( وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) (فاطر:10) .

اقرؤوها وعُوها!

عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "كفى بالمرء شرًّا أن لا يكون صالحًا وهو يقع في الصالحين".

وإلى العلماء من أهل السنة والجماعة:

أنتم جبل صخر إن كان في البحر افترقت عنده أعظم الأمواج العاتية وظل هو تليد، وإن كان في البر واهتزت الأرض كان هو راسٍ للأرض أن تميد، إن رآه الناس بأعينهم أشاروا إليه من بعيد وإن لم يروه علموا أنه مَعْلم الطريق، فمن ابتلي من أهل العلم بالطعن فأوصيه -مذكرًا لا معلمًا- بالاستعانة بالله والصبر والتقوى، ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) ، ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:90) .

أراد الله أن يسمع مزيد دعائكم: ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) (القمر:10) ، وكثرة ذكركم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) ، ولا تصغوا بآذانكم إلى نباح الكلاب حتى لا تنشغلوا عن غاية الطريق، فالكلاب تعوي والقافلة تسير ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) (فاطر:43) .

وصلى الله وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة