شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الكنيسة والتأسيسية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد استبشر جميع المصريين بعهد جديد بعد ثورة "الخامس والعشرين من يناير"، وقدَّر الله أن يتزامن هذا مع وفاة البابا "شنودة" -بابا الكنيسة السابق-، وأجريت إجراءات اختيار خليفته وأسفرت عن اختيار الأنبا "تاضروس" والذي بدأ يعلن عن بعض توجهاته -وإن لم يكن قد تم تنصيبه كنسيًّا-.

تحدث الرجل فكان حديثه إيجابيًّا في مواطن، منها: أنه أعلن أنه لا يقبل التطبيع الشعبي مع إسرائيل وزيارة القدس، وأنه سوف يستمر على نهج سلفه في المنع من ذلك.

كما أنه ظهر في حوار تليفزيوني مع إحدى مقدمات البرامج والتي حاولت أن تستدرجه إلى مربع التأجيج الطائفي فكان هادئًا وموضوعيًّا إلى حد كبير.

وكان من أبرز ما أعلنه: أنه سوف يعيد الكنيسة إلى دورها الروحي وسوف ينأى بها عن الدخول في معترك السياسة، وهو ما لاقى ارتياحًا لدى المسلمين وكثير من النصارى، وهو في نفس الوقت عودة إلى تعاليمه التي يؤمن بها ذاتها والتي على رأسها: "أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وهو ما يعنى ترك أمر الدولة لمن يحكمها.

ومن المفيد هنا أن نوضح أن: هذه الجزئية تمثِّل أحد أهم الاختلافات بين الدين الإسلامي وبين الدين النصراني، وذلك أن في الإسلام: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) (المائدة:49) ، وفيه: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) ، وعدم إدراك هذا الفرق بين دين الإسلام وبين الدين النصراني يؤدي في هذه الجزئية إلى التباس كثير من المواقف، فحينما نقول: إن إعلان البابا الجديد أنه لن يقحم الكنيسة في السياسة أنه تطبيق لما يؤمن به لا يلزم منه بأي صورة من الصور أن يكون هذا هو ما نؤمن به.

ومما يعضد هذا لدى الكنيسة أن الديانة النصرانية تُلزم أتباعها بعقائد محددة وكذلك طقوس عبادية ولا تلزم أتباعها بتشريعات تفصيلية إلا في الأحوال الشخصية، ورسالة الكنيسة هي الحفاظ على هذه الأمور وما عدا ذلك فهو متروك للدولة التي يعيشون فيها.

ومع هذا فإن الدولة الرومانية التي حكمت مصر قبل الإسلام لم تترك نصارى مصر، بل تدخلت حتى في عقائدهم -كما هو معلوم من التاريخ-، ومن ثَمَّ حدثت مآسٍ يندى لها الجبين في محاولة فرض المذهب الكاثوليكي على "أرثوذكس مصر"، فلما فتح عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مصر وأعاد الراهب "بنيامين" إلى تولي شؤون طائفته وجد النصارى في دولة الإسلام أمرين لم يجدوهما في غيره:

الأول: هو تركهم وشؤونهم عقيدة وعبادة وما يخصهم في أحوالهم الشخصية، أي كل ما يلزم النصراني في دينه وكل ما تسعى الكنيسة إلى الحفاظ عليه.

الثاني: أن الشريعة الإسلامية التي تنظم سائر شؤون الحياة وإن كانت من حيث الأساس الديني النصراني لا تعدو أن تكون شريعة الدولة التي أمروا بالتسليم لها، لكنهم وجدوا فيها من العدل والشمول ما لم يجدوه في غيرها.

ولكبار النصارى شهادات في ذلك... نقتصر منها على شهادة البابا "شنودة" -بابا الكنيسة السابق- حيث قال في تصريح له نشرته صحيفة "الأهرام" في "6-3-1985": "إن الأقباط في ظل حكم الشريعة يكونون أسعد حالاً وأكثر أمنًا ولقد كانوا كذلك في الماضي حينما كان حكم الشريعة هو السائد، نحن نتوق إلى أن نعيش في ظل "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، إن مصر تجلب القوانين من الخارج وتطبقها علينا ونحن ليس عندنا ما في الإسلام من قوانين مفصلة؛ فكيف نرضى بالقوانين المجلوبة ولا نرضى بقوانين الإسلام؟!".

وهذا الكلام موثق صوتًا وصورة في مقطع فيديو في إحدى جلسات مجلس الشعب الذي ناقش فضية تطبيق الشريعة وقال فيها كلامًا قريبًا من هذا، وهذا الكلام -كما ترى- كلامًا دينيًّا محضًا يبين الموقف الديني للكنيسة من تطبيق الشريعة.

ودارت الأيام ووجدت الكنيسة نفسها غارقة حتى أذنيها في السياسة؛ وذلك لأن المستبدون يدركون تمامًا أن حكمهم غير مرغوب فيه ومن ثَمَّ يحاولون الاستقواء ببعض الأقليات ليكونوا سلاحهم ضد الأغلبية، ولما كانت الأقلية النصرانية القبطية لا ينطبق عليها وصف الأقلية إلا بالاعتبار العددي فقد اخترعت الأنظمة ما أسمته بالفتنة الطائفية واستثمرت أحداثًا فردية، وعندما عجزت افتعلت أحداثًا من عند نفسها "وما حادثة كنيسة القديسين منا ببعيد"!

ووجد البابا نفسه مدفوعًا إلى خلع عباءة الزعيم الديني ليرتدي بدلاً منها عباءة زعيم الطائفة وهو ما دفع الكنيسة إلى تأييد المستبدين، وهو ما اعتذر عنه الأنبا "تاضروس" بأنه لم يكن ثَمَّ خيارات أخرى.

ولا شك أن الاستبداد الذي تترس بدروع كثيرة، منها: "الفتنة الطائفية" لم تقتصر آثاره على المسلمين فقط، فضياع الكرامة الإنسانية وانهيار المستوى التعليمي والصحي والأخلاقي أمر عانى منه المسلمون والنصارى على حد سواء، بل تضرر النصارى أكثر من غيرهم من دفاع البعض عن الخمور والعري بزعم أن البلاد فيها نصارى؛ مما دفع الأنبا "بيشوي" رغم مواقفه المتوترة مع المسلمين إلى أن يعلن أنه يحب أن يرى بنات النصارى محتشمات كما هو حال المسلمات، وهو أمر أثار عليه الكثير من اللغط... والمبيدات المسرطنة أصابت أكباد جميع المصريين، والبطالة شملت جميع الشباب...

والأخطر من هذا... أن الانقسام الطائفي كان قد اقترب من أن يصبح حقيقة واقعة بعد عمليات الشحن والتعبئة وتصرفات الدولة التي كانت -فيما يبدو- مستمتعة باستمرار هذه الحالة؛ لضمان كتلة تصوتيتة لا سيما في انتخابات ما بعد "مبارك"، والتي كانوا يخشون على الوريث أن ينتزع منه أحد الرئاسة بطريق الانتخاب.

وذهب حكم "مبارك" وضاعت أحلام الوريث سدى لنجد وريثًا آخر هو "الفريق شفيق" الذي راهن على أصوات النصارى ولم يتورع عن توظيف الملف الطائفي، وحمدنا الله على عدم نجاحه لأمور، من أهمها: إغلاق الدولة المستبدة الحريصة على استمرار الفتنة وإشعالها.

الصفحة التالية