شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الكنيسة والتأسيسية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ثم انتهت أزمة الرئاسة وجاء دور إعداد الدستور لنجد أنفسنا أمام مطلب فيه نوع من "التدلل" من قِبَل الكنيسة، وهو المطالبة بالنص الصريح على تحاكم النصارى إلى شرائعهم في أحوالهم الشخصية رغم أن هذا مقرر في الشريعة الإسلامية -كما سبق بيانه من تصريحات البابا شنودة بابا الكنيسة السابق-.

ورغم أن هذا المطلب مقرر قانونًا بالفعل ولا يتصور أن يطالب أحد بتغييره؛ إلا أن اللجنة التأسيسية بما فيها من أزهريين وإخوان وسلفيين وممثلي القوى المدنية وافقوا على إضافة تلك المادة، مع الاتفاق على أن المادة الثانية من الدستور تشتمل عليها اشتمال الكل على الجزء.

وبقيت مناقشات بين الإسلاميين وممثلي القوى المدنية حول صياغة المادة الثانية في ذكر كلمة "مبادئ الشريعة الإسلامية"، ومطالبة الإسلاميين "لا سيما السلفيين" بحذف كلمة مبادئ؛ لغموض معناها، وتردد الجهات المختلفة في تفسيرها، ورعى الأزهر حوارًا اُقترحت فيه عدد من الحلول واستقر الأمر على إضافة مادة مفسرة لمبادئ الشريعة.

ورغم أن ممثلي الكنيسة في الجمعية التأسيسية قد وافقوا على هذه المادة إلا أننا فوجئنا بمشروع بيان تعلن فيه الكنائس انسحاب ممثليها من التأسيسية!

ونود في هذا المقام أن نؤكد على الآتي:

1- تحكيم الشريعة الإسلامية مطلب شعبي يطالب به معظم المسلمين، بل إن نص المادة الثانية في مسودة دستور 71 كان فيها: "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، ثم تدخلت لجنة الصياغة لتحذف "الـ" -من المصدر الرئيسي- وتضيف مبادئ، فأما "الـ" فتم استردادها سنة 1980 وأما "مبادئ" فكان الواجب حذفها، ولكن استعيض عنه بتفسيرها ومع ذلك فالكنيسة تحاول جاهدة أن تقف عقبة في طريق الإرادة الشعبية للأغلبية المسلمة.

2- لا يوجد في دين النصارى ما يعارضه -مطلب تحكيم الشريعة- طالما ضمن لهم العقيدة والعبادة والأحوال الشخصية، وموقف آحاد النصارى منه على ثلاثة أقسام:

(أ) قسم محبذ للشريعة الإسلامية، بل ويطالب بتطبيقها حتى في الأحوال الشخصية مثل: "أقباط 38".

(ب) قسم لا يهتم بالقضية طالما كفل له ما يلزمه به دينه.

(ج) قسم معارض لها.

وكل واحد من هؤلاء يبني موقفه على أساس سياسي لما قدمنا من أن الموقف الديني هو عدم الممانعة، وهذه الآراء السياسية من المفترض أن يعبِّر عنها كل فرد في صندوق الانتخاب وبوسع الرافض أن يصوِّت على الدستور بـ"لا"، وليس بوسع الكنيسة أن تطالب عموم النصارى بذلك؛ وإلا كان هذا فرضًا لمذهب قياداتها السياسي وهو ما ينافي تعاليم دينهم وينافي التوجه الذي أعلن الأنبا "تاضروس" أنه يدعمه.

وأما الانسحاب من التأسيسية رغم أنها من مؤسسات الدولة التي يأمر الدين النصراني بطاعتها؛ فلا أدري ما وجه تفسيره دينيًّا!

3- لم تتدخل الدولة بكل مؤسساتها لتفرض على الكنيسة العودة إلى اجتهادها القديم في مسألة الطلاق رغم أنه اجتهاد عملت به قيادات كنيسة كبيرة واعتمدته الدولة بناء على اعتماد الكنيسة له آنذاك، ورغم هذا... تحاول الكنيسة الاعتراض على تفسير مبادئ الشريعة الإسلامية بالتفسير المذكور في المادة المقترحة رغم أنه دون المطلوب إسلاميًّا.

يعني أن: "الأغلبية تركتهم وما يدينون بينما الأقلية لا تريد أن تترك الأغلبية وما يدينون!".

4- السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا الصنيع من الكنيسة يصب في صالح "المواطنة" التي يتشدق الجميع بها أم أنه تكريس للطائفية واصطناع مشاكل من العدم؟!

5- من المفترض أن يلتزم الجميع بالآليات التي تم الاتفاق عليها داخل التأسيسية والتي من المنتظر أن تسفر عن شيء يرضى عنه الشعب ويصوِّت له بـ"نعم"، ومن زعم أن آلية التصويت داخل التأسيسية سوف تنتج ما يرفضه الشعب؛ فليدعو الشعب بالتصويت بـ"لا"، وأما إرهاب أعضاء التأسيسية أن يصوتوا على خلاف ما يعتقدون ومن ثَمَّ فسوف يلزمهم أن يدعوا الشعب إلى قبوله وإلا وقعوا في التناقض فأمر لا يقره عقل ولا منطق!

وأخيرًا: فأحسب أن الفرصة في هذه التأسيسية لغير الإسلاميين كانت أكبر مما يحلمون حيث سيطر التوافق عليها تشكيلاً وصياغة، وأنها متى أبطلت أو عطلت فلن نرضى إلا بتأسيسية منتخبة انتخابًا مباشرًا من الشعب، وكل فريق يقدم رؤيته للشعب ومتى دخل التأسيسية فلا يسعه إلا أن يدافع عما أعلنه في برنامجه الانتخابي للتأسيسية.

وأستطيع أن أحلف بالله غير حانثٍ أن وقتها: نستطيع أن نضع دستورًا معبِّرًا تعبيرًا لا مراء فيه عن مرجعية الشريعة، بعيدًا عن المواءمات والتوافقات، وما يمنعنا من المضي قدمًا في هذا الاتجاه إلا الرغبة في الانتهاء من تشكيل مؤسسات الدولة من إقرار الدستور وانتخاب مجلس الشعب حتى يؤدي دوره في إنجاز في بحث مشكلات المجتمع بدلاً من بقاء كل المسؤوليات معلقة برقبة مؤسسة الرئاسة؛ مما يعوق أداءها وينعكس في النهاية بالسلب على مصالح الناس.

الصفحة السابقة