الرد على الدكتور "عبد الرحمن البر" حول حضور أعياد وشعائر النصارى
أحمد يحيى وزير • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قرأت ما كتبه الدكتور "عبد الرحمن البر" مفتي جماعة الإخوان حول ما اعتبره استدلالاً لجواز حضور حفل تنصيب بابا النصارى الجديد، وهو أقرب ما يكون إلى التبرير منه إلى الدليل، مع ما فيه من المغالطات التي لا يحسن السكوت عنها، خاصة إذا كانت من مثل الدكتور "البر".
وبيان ذلك فيما يأتي:
ذكر فضيلته آيتي سورة الممتحنة باعتبارهما آيتين حاكمتين لطبيعة العلاقة مع غير المسلمين، ثم قال: "من هذا المنطلق لم أجد حرجا في الاستجابة للدعوة التي تلقيتها من الكنيسة لحضور حفل التنصيب، فإن الحضور في حفل تنصيب أو تجليس البابا مثله مثل التهنئة بأعيادهم التي أرى أنها من البر الذي لم ينهنا الله عنه، طالما لم تكن هذه التهنئة على حساب ديننا".
1- إذا كان ذلك كذلك فما محل الآيات التي تنهى عن شهود ما يتضمن الكفر، كقوله -تعالى-: ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) (النساء:140) ؟!
والدكتور يعلم جيدًا تضمن هذه الاحتفالات على الكفر، مثل: رفع الصلبان، وترتيل الترانيم والأدعية الشركية، كقولهم: "ربنا ومخلصنا يسوع المسيح"!
2- ولماذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن مجرد اللعب في يومين كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية؟ فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: ( مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ )، قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
3- ولماذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُذبح لله في مكان يُعبد فيه غيرُ الله؟ فعن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلاً بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ )، قَالُوا: لا، قَالَ: ( هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ )، قَالُوا: لا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانًا لعيدهم مانع من الذبح بها -وإن نذر- كما أن كونَها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظم الكلام ولا حسن الاستفصال، ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل أو نفس الفعل أو زمانه... وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورًا فكيف نفس عيدهم؟!" (اقتضاء الصراط المستقيم) .
4- وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لعن رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- آكلَ الربا ومُوكِلَه وكاتبَه وشاهديْه، وقال: هم سواءٌ".
والسؤال هنا: أيهما أعظم؛ حضور مجالس الربا أم حضور احتفالاتٍ وأعيادٍ تشتمل على الكفر مطابقة أو تضمنًا أو لزومًا؟!
وإذا كان أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم، فكيف بالاستطالة في سب الله -عز وجل-، بل وإقامة الأعياد لذلك؟! فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كَذبَنِي ابْن آدم وَلم يكن لَهُ ذَلِك وَشَتَمَنِي وَلم يكن لَهُ ذَلِك، أما تَكْذِيبه إيَّايَ أَن يَقُول: إِنِّي لن أُعِيدهُ كَمَا بَدأته، وَأما شَتمه إيَّايَ أَن يَقُول اتخذ الله ولدا وَأَنا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يكن لي كُفؤًا أحد ) (رواه البخاري) .
فإما أن هذه الأحاديث ليست من المحكمات عند الدكتور أو أن فضيلته يجهل طبيعة أعياد وشعائر النصارى؟!
5- حاول الدكتور في أكثر من موضع أن يُعللَ جواز حضور هذه الاحتفالات بأن ذلك من البر وإحسان المعاشرة والمجاملة والتلطف ورد الحسنة بالحسنة مع شركاء الوطن، وهذا من أعجب العجب! فهل يجوز طبقًا لكلام فضيلة الدكتور أن نجامل عصاة المسلمين بحضور مجالس الخمر أو حفلات الجنس الجماعي، مع أن هذه كلها معاصٍ وأصحابها باقون على أصل الإسلام؟!
وهل يجوز -طبقًا لكلام الدكتور- حضورُ احتفالات وأعياد البوذيين والمشركين عباد الأوثان والأبقار والأحجار وعبدة الشيطان؟ أم أن البر وإحسان المعاشرة والمجاملة والتلطف هذه قاصرة على فصيل واحد فقط من شركاء الوطن؟!
6- قال فضيلته: "وقد عدَّ كثير من أهل العلم ذلك كله من قَبيل المجاملة لهم والمحاسَنة في معاشرتهم، ومن باب حسن الأخلاق التي أمرنا الله بها، ولونًا من ألوان الدعوة إلى الله -عزَ وجلَ- بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو ما يتوافق مع قواعد الشريعة وأصولها التي دعت إلى الإحسان في كلِ شيء، وإلى مكافأة الإحسان بالإحسان".
لم يبين لنا الدكتور: مَن هؤلاء العلماء الذين جعلوا ذلك من قبيل المجاملة والمحاسنة في معاشرتهم؟!
ولم يبين الدكتور: هل قام بدعوتهم إلى الإسلام كما كان يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أم جلس فقط متبسمًا في وجوههم وهم يرتلون كفرهم، ثم عاد مغتبطًا إلى بيته؟!
ولم يبين الدكتور: ما هو الإحسان الذي يجنيه المسلمون من نصارى مصر حتى يرد إحسانهم بهذا الإحسان الطافح فوق حده؟!