الرد على الدكتور "عبد الرحمن البر" حول حضور أعياد وشعائر النصارى
أحمد يحيى وزير • قضايا معاصرة
وهل إذا أحسن النصارى أو غيرهم بتهنئتنا بأعيادنا الحقة، فهل الإحسان أن نهنئهم بباطلهم ونقرهم عليه؟ وهل تهنئتهم بسب الله -عز وجل- كما ورد في الحديث الصحيح هي الأخلاق التي تتوافق مع شعائر الإسلام؟!
ولم يبين الدكتور: هل من قبيل إحسانهم لنا انسحابُهم من اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور بعد التوافق، وبعد أن قدمت لهم جماعة الإخوان أقصى ما عندهم من التنازلات؟!
وهل من قبيل إحسانهم تصريح البابا الجديد -الذي حضر الدكتور حفل تنصيبه- بأن المادة المفسرة لمبادئ الشريعة "مادة كارثية" مع أنها خاصة بالأغلبية المسلمة؟!
لم يبين لنا فضيلته هذا كله... ربما لأن عدم البيان من قبيل الإحسان!
7- والعجب من استدلاله بأثر ابن عباس: "لَوْ قَالَ لِي فِرْعَوْنُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، قُلْتُ: وَفِيكَ، وَفِرْعَوْنُ قَدْ مَاتَ". أي إنه يقول ذلك مع العلم بأن فرعون مات كافرًا.
فإن هذا دعاء بالبركة، ومثلُه جائز مع الكفار؛ لأنه طلب لحصول الخير الكثير له ولا خير له إلا بالإسلام، ولكن ما علاقة ذلك باحتفالاتٍ وشعائرَ ومراسمَ عقائدية تعبدية؟!
8- وأعجب من ذلك استدلاله بإباحة زواج النصرانية، وأن الزوج لا يمنعها من ممارسة عقيدتها، لكن الدكتور زاد -من كِيسِه طبعًا وليس من الفقه-: "ويصحبها زوجها أو أبناؤها إلى الكنيسة لتمارس عقيدتها وعبادتها"! فأين هذا في كتب الفقه الإسلامي وتراث علماء السلف؟!
بل زواج النصرانية أصلاً لم يُشرع إلا لتكثير نسل المسلمين وتقليل عدد الكفار، وليس زواجًا شهوانيًّا بحتًا بحيث يتزوج المسلم من النصرانيات ثم يترك أولاده ينشأون على الكفر! إذا لم يكن هذا على حساب الدين فعلى حساب ماذا؟!
وزواج النصرانية مشروط ببغضها على دينها أصلاً، فكيف يهنئها بما يجب عليه أن يدعوَها إلى مفارقته؟! وليس ها هنا محل لما ذكره الدكتور من المجاملة والتلطف، إلا عند من لا يستحضر الارتباط بين العقيدة والسلوك.
9- قال فضيلته: "وأما المنقول عن الإمامين: ابن تيمية وابن القيم من ادعاء الاتفاق على تحريم تهنئة غير المسلمين فأمر محل نظر، وهي فتوى فقهية قد تصلح لعصرهما الذي كان مليئًا بالحروب الصليبية والغزو التتري حيث كان أي تهاون يعني الرضا بالمحتل، ومن ثَمَّ فربما كان اختيارهما الفقهي هو الذي يحفظ للمسلمين عقيدتهم أمام الأعداء، أما في هذا العصر -وفي مصر بالذات حيث العيش المشترك في وطن واحد يجمعنا- فالأمر مختلف".
لم يبين فضيلته ما محل النظر في نقل الإجماع الذي سماه -تنقصًا- فتوى فقهية؟!
وهل بهذا يرد الإجماع الذي نقله مَن هما أعلم الناس بمذاهب العلماء؛ فأخبرنا من خالف هذا الإجماع المنقول من السلف؟!
ولم يبين كيف لهذه الفتوى أن تصلح في زمن ابن تيمية وابن القيم ولا تصلح في زماننا مع أن مناطَها المبنية عليه هو النقل الصحيح وفتاوى السلف، وليس مناطُها وجود الحروب مع الكفار، ولم يذكر ذلك أحد من أهل العلم في أبواب الجهاد ولا فيما يجوز من المعاملات مع الكفار؟!
10- على أن المنقول عن ابن تيمية وابن القيم ليس فيه أصلاً ما يوحي بارتباطٍ بينه وبين الحروب الصليبية والغزو التتري، بل الكلام عن أناس مواطنين يقيمون أعيادهم ويدعون المسلمين لحضورها، فعجيب أن يكون ظن الدكتور أن الحروب الصليبية والغزو التتري كانت أيامها في إقامة الأعياد وإرسال الهدايا للمسلمين!
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "وكما لا نتشبه بهم في الأعياد فلا يُعان المسلم في ذلك، بل يُنهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تـُجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته، خصوصًا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه، ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر" (اقتضاء الصراط المستقيم) .
فهل كان التتار والصليبيون يقيمون الأعياد ويدعون إليها المسلمين حتى يهدوهم الهدايا ويُحَمّلونهم بالورود؟!
11- ثم إن تحريم حضور أعياد المشركين منقول عن السلف من قبل ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-، ومن قبل الحروب الصليبية والغزو التتري لبلاد المسلمين، بل كانت وأهل الكتاب في بلاد المسلمين يؤدون لهم الجزية، ففي تفسير قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) (الفرقان:72) ، نقل ابن كثير تفسيرها بأعياد المشركين عن أبي العالية وطاوس و محمد بن سيرين والضحاك والربيع بن أنس، ونقله البغوي عن أكثر المفسرين.
وروى البهيقي بسند صحيح عن عمر -رضي الله عنه- قال: "لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم"، وروى بسنده إلى عمر أيضًا: "اجتنبوا أعداء الله في عيدهم"، وروى بسند جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: "من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حُشر معهم يوم القيامة".
وذكر شيخ الإسلام أن المنع من حضور أعياد المشركين هو المنصوص عن الإمام أحمد بن حنبل وعن أصحابه، بل هو المنقول عن أئمة المذاهب الأربعة وأصحابهم، كما في اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (2/425)، وأحكام أهل الذمة لابن القيم (2/227)، واللمع في الحوادث والبدع لابن التركماني الحنفي (1/492).
12- وجاء في شروط عمر -رضي الله عنه- التي اتفق عليها الصحابة وسائر الفقهاء بعدهم أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم في دار الإسلام؛ فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها فكيف يسوغ للمسلمين فعلها ومشاركتهم فيها؟!