شريعة الله كلها خير لو كانوا يعلمون
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فشريعة الله كلها خير، ولقد جاء الإسلام لإصلاح الحياة في كل مجالاتها، وجعل الله -عز وجل- سعادة الدارين وخير الدنيا والآخرة منوطًا بالتزام هذا الدين وشريعته، قال الله -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) .
ولقد عاشت الأمة الإسلامية أزهى عصورها حينما كان الإسلام يحكم الحياة في الوقت الذي كان العالم يحيا في شقاء الشرك والجهل منغمسًا في ظلمات العصور الوسطى.
وفي ظلال هذه الشريعة استطاع المسلمون في زمن وجيز أن ينشروا دين الله -عز وجل- في الأرض، وأن يشيعوا فيها النور الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وامتد حكم الإسلام ليشمل ربوع المعمورة على اختلاف أنحائها، وتقدمت الأمة في كل مجالات الحياة وأبهرت العالم -ولا زالت على ضعفها وقلة حيلتها لا ينعدم منها الخير-، ولمَ لا وقد جاء الإسلام بأعظم منهج إصلاحي للفرد والمجتمع في شتى مناحي الحياة؟!
فعقيدة أهل الإسلام يحصل بها أمان القلب وسكينته، والصلاة والصيام والعبادات تربية وتزكية لضمير الفرد وتوجيه له نحو البر والإحسان ومحبة الخير للناس، ولا شك أن مَن هذا صفته أجاد صناعته وزراعته، ولم يغش في تجارته، ولم يقبل رشوة إن كان موظفًا، وحافظ على الأموال العامة من الضياع، ولا شك أن مجتمعًا تكون عامته وأكثريته على هذا النحو سيكون مجتمعًا عظيمًا سعيدًا يلفه الرخاء والثروة وزيادة الإنتاج، ويعمه الأمن والأمان.
فالتزام الإسلام وإقامة شريعة الله تعني انفتاح البركات وزيادة الخيرات، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (الأعراف:96) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (المائدة:66) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلادِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
وبقدر الابتعاد عن شريعة الله بقدر ما يقع من البؤس والشقاء وقلة الرزق، قال الله -تعالى- عن أصحاب السبت: ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (الأعراف:163) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذا تَبايَعْتُمْ بالعِينَةِ وأخَذْتُمْ أذْنابَ البَقَرِ ورَضِيتُمْ بالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ سَلَّطَ الله عليكُمْ ذلاً لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
فكان طريق المجد وسبيله هو الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ولما حصل الانحراف والبعد عن هذا السبيل ووقع ما وقع من ضعف المسلمين وتسلط الأعداء، ونادى أهل الحق بأن أمر أمة الإسلام في مصرنا -وغيرها من بلاد الإسلام- لن يصلح إلا بما صلح به أولها، وأن النجاة والخير بأكمله في الحكم بما أنزل الله والتمسك بشريعته... خرج علينا مَن هم مِن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ووقفوا في خندق الكافرين، وزعموا أن تطبيق الشريعة الإسلامية ردة حضارية وعودة للوراء!
وصرنا نسمع في بلاد الإسلام مَن يناهض ويعارض شرع الله صراحة، وصارت "ديكتاتورية الأقلية" -من شتى الاتجاهات والمناهج- التي لا وزن فعلي لها في مجتمعات المسلمين هي عنوان المرحلة، حتى وصف بابا الكنيسة "المادة 219" المفسرة للمادة الثانية بأنها "مادة كارثية"! دون مراعاة للأغلبية المسلمة التي لا تقبل أن تُحكم إلا بشريعة الله.
وصاغ هؤلاء وأولئك شبهات من بنات أفكارهم ومن وحي الشياطين إليهم لوثوا بها أسماع الناس -والتي ربما علقت بأذهان بعضهم- في وسائل إعلامهم وفضائياتهم في حرب سافرة لا يدخرون فيها جهدًا أو وسعًا، ونحن على يقين بأن سعيهم سيخيب، ( إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:81) ، ( يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) (الأنفال:36) .
ومن أبرز تلك الشبهات المثارة على عامة الناس عبر القصف الفضائي المركز:
- قولهم: إن الإسلاميين أنفسهم مختلفون في فهم الشريعة فكيف يتسنى تطبيقها مع تعدد المذاهب والأقوال والترجيحات... هذا مع إصرارهم على تجاهل تصريحات الإسلاميين "خصوصًا رموز الدعوة السلفية" من أنه لا مانع عندهم من أن يكون "الأزهر" هو المرجعية في تفسير النصوص الشرعية على اعتبار أنهم لم يفتأوا يذكرون الأزهر ويصفونه بأنه المؤسسة الممثلة للإسلام الوسطي المعتدل، ومع تجاهلهم أن قوانينهم الوضعية -المقدسة عندهم- فيها من ألوان الاختلاف ما يزيد على النصوص الشرعية، وكلما علموا شيئًا من الشرع يخالف أهواءهم رموا أهل العلم بأن هذا تفسيركم أنتم، وفهمكم الذي تريدون فرضه علينا!