شريعة الله كلها خير لو كانوا يعلمون
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
ومن عجائب ما سمعنا في ذلك: ما ذكرته الدكتورة "منال الطيبي" في سياق الكلام على ما يسمونه بزواج الأطفال -صغيرات السن- في مداخلة مع د. "ياسر برهامي" في حلقة فضائية نهائية مع "وائل الإبراشي" قالت ما نصه: "أشكر د. ياسر لأنه أكثر صراحة من بعض الأعضاء الذين يحاولون الالتفاف حول تفسير موضوع زواج الأطفال -صغيرات السن- أنه كان أكثر صراحة، لدرجة أنه كمان لم يشترط سن البلوغ، ده حتى فسَّر الآية الكريمة بمن لم تحض بعد... " في حين أن د. "ياسر" لم يزد على تلاوة الآية الكريمة وهي قول الله -تعالى-: ( وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) (الطلاق:4) ، وذكر لها د."ياسر" أن هذا كلام الله ونص الآية الكريمة، وإلا فما تفسيرها عندكِ إن كنتِ تؤمنين بالقرآن وتعتقدين صدقه؟!
ولكن هم حُفِّظوا هذا الكلام ولا يعرفون سواه، بل بلغ الأمر ببعضهم أن صرَّح بأن هذا الخلاف في فهم نصوص الشريعة موجب لترك التحاكم إلى الشريعة بالكلية!
وهم بهذا الزعم: يريدون أن يصوروا للناس أن تطبيق الشريعة غير ممكن بحال لا في الحاضر ولا في المستقبل، ولسان حالهم -بل مقالهم أحيانًا- يصرخ هاتفًا: كيف تريدون أن نترك القوانين الوضعية وحكم الجاهلية وعبادة الأهواء ونتحاكم إلى شريعة الإسلام؟! وكأن من ينادي بتطبيق الشريعة يريد أن يحرم البلاد والعباد من سعادة وهناء ونعيم يرفلون فيه، وكأن مصر قبل الثورة -وغيرها من بلدان العالم الإسلامي قبل ثورات أهل الإسلام- كانت تنعم وأهلها في ظل القوانين الوضعية بالأمن والأمان والكرامة والرفاهية والحرية والحضارة والمدنية... ثم لما بزغ نجم الإسلاميين أرادوا بدعوتهم إلى تحكيم الشريعة أن يحرموا الناس من هذا الهناء وهذه السعادة المزعومة!
وإلا فقد عاشت بلادنا -وغيرها- زمنًا تتقلب فيه من اشتراكية إلى رأسمالية إلى ليبرالية وتعددت عليها القوانين الوضعية والمناهج الفكرية المختلفة... ولكن ماذا كان حال البلاد؟ كانت تحيا حياة القهر والاستبداد مما هو معروف ومعلوم.
فماذا قدمت تلك القوانين الوضعية التي حُكمت بها بلدان المسلمين غير البؤس والشقاء والمذاهب الإلحادية والمناهج المنحرفة، والفساد والمجون و... ؟! هل قدمت غير ذلك؟ وهل قادت البلاد إلى نهضة حقيقية في أي مجال من مجالات الحياة؟
ولكن هؤلاء صاروا لا يطيقون حتى رائحة الشريعة ولا يتصورون حياتهم بغير قوانينهم المقيتة المحلة للربا والزنا والخمور... بل بلغ الحال ببعضهم "وهو عمرو موسى" أن ساوم د."ياسر برهامي" في التأسيسية على المادة الثانية، وقال له: "عديلي المادة الثانية وأنا أعديلك مادة الرق!" -وإلى الله المشتكى-.
وهم -كذلك- بزعمهم أن الاختلاف في فهم النصوص الشرعية يحول دون تطبيقها: يصورون الإسلام وكأنه دين جديد حديث الولادة لم يسبق له أن يحكم الحياة ويصلحها لقرون متطاولة، بل إن سقوط الخلافة الإسلامية لم يمر عليه مائة سنة بعد، فكان الإسلام حاكمًا مطبقًا ينعم به الناس مسلمهم وكافرهم رغم اختلاف المذاهب والأفهام وتعدد الأقوال -التي يحتملها الدليل- التي كانت في الحقيقة تثري الفقه الإسلامي والعقل المسلم، ولم يكن هذا مانعًا بحال أبدًا من تطبيق شرع الله في أي عصر أو أي مصر من أمصار الإسلام، بل ساد الإسلام وانتشر في العالم وتلقفته قلوب الورى بشوق ولهفة، وحكَّموه في دمائهم وأموالهم حتى اتسعت رقعة الإسلام إلى ما يعلمونه جيدًا، فلا تكاد تخلو بقعة في العالم من جالية مسلمة لولا العدوان عليها واضطهادها بالحديد والنار والمذابح الوحشية لكانت أغلبية مطلقة.
ثم هل التزموا هم بما لم يختلف المسلمون في تفسيره وأجمعوا عليه أم هو معارضة الوحي واتباع الهوى؟!
ومن النصوص ما ليس له إلا وجه واحد، وأجمع الفقهاء المعتبرون -لا المستأجرون- عليه، فهل يقبلونه؟!
إضافة إلى أن هذا الزعم منهم يتضمن مدحًا لقوانينهم المقيتة الممتلئة بألوان الاختلاف وتعدد الآراء المتناقضة، وصدق الله -تعالى- إذ يقول: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) .
وعمومًا فالعبرة عند الاختلاف إنما هو بما قال الله -تعالى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (النساء:59) ، ولكنهم لا يقبلون بمرجعية الشريعة أصلاً!
وقد يحاول بعض هؤلاء أن يتلطف في معارضته لتطبيق الشريعة بزعم أنه يخشى من سوء تطبيق القائمين عليها، وكأنه لا يعلم أن هذا يسري كذلك على القوانين الوضعية التي يرضى بها ويقبلها، بل ظن ذلك بأهلها وبمن يقوم عليها أولى من الإسلاميين، ولم يكن هذا مانعًا عنده من قبول تلك القوانين؛ فلماذا لا يمرر هذا مع الإسلام؟!