شريعة الله كلها خير لو كانوا يعلمون
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
- وكذا قولهم: إن النصوص الشرعية ظنية الدلالة: فيأتون إلى نصوص القرآن الكريم التي هي قطعية الثبوت فيقولون: إنها ظنية الدلالة، والسنة لا يجهلون أن أكثرها ظني الثبوت -وأما المتواتر منها فهو قطعي الثبوت- فيقصدون بذلك التوصل إلى ترك تحكيم الشرعية بالكلية! بل قال بعضهم وهو "عمار علي حسن" -أحد أبرز الليبراليين الحريصين على فرض الليبرالية في مجتمعنا المسلم- لـ د."ياسر برهامي" في حوار بينهما حول قوله -تعالى-: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة:38) ، فقال: "السارق في تعريفه خلاف، والقطع فيه خلاف، وأيديهما -أيضًا- فيها خلاف: من الكف أم من المرفق أم من الإبط، وفي القرآن: ( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) (يوسف:31) ، خلاص نجيب الحرامي ونجرح يده بمشرط، ونكون قد طبقنا الآية، فالكلام محتمل وليس قطعيًّا!"، هذا مع كون السنة أوضحت ذلك وأجمع العلماء على قطع وإبانة يد السارق من الكف الأيمن، فقال له د."ياسر": "أنتَ بهذا لن تبقي في الشريعة أي ثوابت" فقال: "أجيب لك من الآخر يا شيخ ياسر السياسة ليس فيها ثوابت!".
وهذا الزعم منهم ظاهر البطلان؛ لأن كون الدليل ظني الدلالة لا يُسقط وجوب العمل به، وإن لم يكفر منكره؛ لكونه لم يثبت قطعيًّا، وأكثر الأحكام الشرعية من وجوب وتحريم واستحباب وكراهة ثبتت بأدلةٍ ظنية الدلالة، وقد حصل إجماع الصحابة على قبول خبر الواحد والعمل به في وقائع لا تنحصر، فكانوا يقبلون من بعضهم بعضًا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعملون بها.
- وكذلك قولهم: إن الغرب تقدم لما تخلى عن الدين وألقاه وراءه ظهريًّا، وفصل الدين عن الدولة، بل عن الحياة.
وهذه مغالطة خبيثة وتسوية بين الحق والباطل والهدى والضلال، فالتقدم والتأخر مرتبط بالأخذ بالأسباب والاجتهاد، ونحن بالفعل لا نطبق الشريعة الإسلامية ومع ذلك لم نلحق بركاب القوم، وقد تقدمت أمم وحازت أسباب القوة وهي لا تزال على وثنيتها وشركها سواء في الماضي كالفراعنة والفرس والروم أو في الحاضر كاليابان والصين وعباد البقر وغيرهم... ودين هؤلاء خالف العقل الصريح وحارب العلم والعلماء، وسيطر على مقدرات حياتهم، وقامت دولتهم الثيوقراطية على أساس أن الحاكم يستمد سلطته وحكمه من الرب، وأنه ظل الإله في الأرض، وكانت الباباوات والأحبار والرهبان يعطون ويمنعون ويصفحون ويعذبون ويحلون ويحرمون بأهوائهم.
فكانت ثورتهم وتمردهم على ما خالف المنقول والمعقول -وهم مع ذلك لم يتخلوا عن دينهم بالكلية، بل ينصون في دساتيرهم على ديانتهم ومللهم، ويبذلون الأموال الطائلة فيما يسمونه بالتبشير بدينهم- فتقدموا ماديًّا -ولا يزالون في شقاء روحي وعذاب نفسي وانحلال أخلاقي- لما أخذوا بأسباب القوة والتقدم التي يأمر بها إسلامنا وديننا، في الوقت الذي تكالبوا فيه على أهل الإسلام هم وصنيعتهم في بلاد المسلمين من الحكام العملاء وغيرهم... ليمنعوا المسلمين من تلك الأسباب.
أما الإسلام فلم يعرف قط الدولة الثيوقراطية أو التعارض بين العلم والدين، بل الدولة الإسلامية نموذج فريد من نوعه، وما تقدم المسلمون وما سادوا العالم إلا بالإسلام، ولن يعود لهم مجدهم إلا بمراجعة دينهم والعودة إلى المنهج الإلهي المتمثل في شريعته.
هذا وليس الغرض استقصاء الشبهات المثارة حول تطبيق الشريعة، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.