دستور الأمة أم دستور النخبة؟ (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلقد مثَّل العالمانيون -بكل طوائفهم- هرمًا صغيرًا في الشعب المصري يقف على رأسه عشرات وفي قاعدته عشرات الآلاف أو مئاتها على أقصى تقدير، ثم إن هذا الهرم على ضآلة حجمه يقف في الهواء الطلق بلا أي رصيد شعبي.
وفي المقابل كانت مرجعية الشريعة أشبه بالثقافة الشعبية العامة التي تملأ السهل والوادي يغذيها أجيال متعاقبة من خريجي الأزهر، ثم ازداد الأمر شعبية وتموجًا مع اتجاه عدد كبير من خريجي الجامعات المدنية إلى دراسة الشريعة والدعوة إليها وتحويلهم لهذا الفكر إلى حركة فيما عرف بالحركة الإسلامية فنتج هرم كبير متسع من القمة إلى القاعدة، ومرتكز في نهايته على القاعدة الشعبية العريضة.
وهذه المقارنة بين حجم الهرمين من جهة وبين مرتكز كل منهما من جهة أخرى تفسِّر لك فرار التيار العالماني إلى درجة من درجات الكبر والتعالي والذي بدا جليًّا في محاولة احتكار ألفاظ مثل: "النخبة - المثقفين - التنويريين" إلى آخر هذه الألفاظ البراقة.
ولم يكتفِ العالمانيون بذلك، بل أعطت هذه النخبة نفسها حق منح صكوك "تنوير" ضاهت بها صكوك الغفران الكنسية إن لم تربو عليها!
فالشعب إن وافقهم فهو الشعب المصري الواعي الفاهم الذي يصعب خداعه ويستحيل شراء ضميره، وإن خالفهم -وكثير ما يخالفهم- فهو الشعب الجاهل الأمي الذي يبيع "ضميره الانتخابي" بقليل من الزيت والسكر!
والانتماء للريف المصري عندهم لا يذكر إلا على سبيل التنقص والازدراء اللهم إلا إذا أتى في سياق الثناء على أحد رموزهم أو مفكريهم بأنه من الريف.
وعلى أي فمن باب تسمية كل فريق بالاسم الذي يحبه والصفة التي يدعيها لنفسه فسوف نصطلح على تسمية هؤلاء بالنخبة كما ادعوا هم لأنفسهم لا تسليمًا لهم بهذا الادعاء.
وفي المقابل أطلق دعاة الشريعة على أنفسهم وصف "الصحوة الإسلامية" إيمانًا منهم أنهم جزء من الأمة لا يختلفون عن أمتهم في شيء إلا في أنهم يحاولون تحريك قاطرة الأمة لتنطلق في السباق الحضاري دون أن تغير رداءها أو تتنكر لذاتيتها فهم لا يطلبون من الأمة إلا الاستيقاظ ونفض التراب الذي ران على ما معهم من جواهر الحضارة ودررها.
بيد أن المخالفين اختاروا لهم وصفًا وفرضوه لما لهم من آلة إعلامية ضخمة -ولهذا الموضوع قصة ليس هذا مقام تفصيلها- وهو "الإسلاميون" وهو وصف حسن جيد، ولكنه يوحي بأن الإسلاميين شيء مغاير للمجتمع أو هو بعبارة أخرى: اقتلاع لهرم الصحوة الإسلامية من جذوره "التي هي كل القاعدة الشعبية" ووضعه في الهواء ليتساوى في نظر غير المتفحص مع الهرم العالماني وإن بقي فرق في حجم كل هرم.
وحتى موضوع الفرق الكمي وجدوا له حلاً عبر الآلة الإعلامية مثل تصريح أحدهم عقب استفتاء 19 مارس 2011 أن "الواحد من النخبة بمائة ألف ممن سواهم من الشعب المصري"!
النخبة بين الشك واليقين:
لقد تقمَّصت هذه النخبة دور طلائع عصر التنوير في أوروبا الذين استطاعوا هدم الاستبداد الديني والسياسي في آن واحد رغم قلة عددهم، ونسي هؤلاء أن فلاسفة عصر التنوير في أوروبا كانوا يواجهون دينًا سماويًّا اسمًا بشريًّا واقعًا؛ فيه كل أخطاء البشر وزيادة إلا أنه منسوب على وجه الكذب إلى الله -تعالى- كما قال الله -عز وجل--: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة:79) ، ومِن ثَمَّ بدأوا كنخبة ثم سرعان ما تحولوا إلى كثرة كاثرة في زمن قياسي؛ لأنهم كانوا يملكون الحجة والبرهان على أن الدين الذي كانت أوروبا تعامله على أنه مقدس غير جدير بالتقديس، ومِن ثَمَّ تحكموا هم فيه ما بين معتبر له "أفيون الشعوب" إلى من يكن له الاحترام شريطة ألا تكون له المرجعية العليا في الحياة.
إن المشكلة الرئيسية لدى النخبة أنها -بحمد الله- ما زالت تتعامل مع دينها الإسلامي أنه مقدس، ولكن المنبع الذي تنهل منه النخبة يطالبهم برفع القدسية عن الأديان -هكذا دون تفريق بين دين أقر أصحابه بحاجته إلى التنقيح ودين يشهد له المخالف قبل الموافق بالسلامة من الزيادة والنقصان- مما حدا بهم -مع شديد الأسف- إلى قصر ذلك التقديس على ألفاظ القرآن دون معانيه أو ما دل عليه خطابه "أي أحكامه وما أدراك ما أحكام الشريعة وكيف تفر منها النخبة فرار المجذوم من الأسد كما سيأتي بيانه لاحقًا -إن شاء الله-؟!".
إن مشكلة النخبة الرئيسية أنهم لم يحسموا موقفهم بعد ولا يريدون أن يحسموا موقفهم من قدسية النص الديني وعصمته فيقدسون ألفاظه في حين أنهم ينسبونه إلى قصور البيان بينما يصفه رب العزة بأنه "كتاب مبين"، ويرتبون على توهموه من قصور بيانه عدم لزوم أحكامه في الوقت الذي يرون النص البشري واضحًا ملزمًا أو يدعون أن بوسعنا أن نتعمد ترك دلالة النص إلى ما يسمونه بروح النص رغم أنهم ينزهون النص البشري عن ذلك حتى في الحالات التي يجب بالفعل أن يعمل فيها قاعدة: "النص يدور مع علته وجودًا وعدمًا".
ومن الأمثلة الصارخة على هذا: أن القانون قد حصَّن "النائب العام" من العزل؛ بغرض حمايته ليمارس دوره في الدفاع عن حقوق الشعب دون أن يخاف من عقاب السلطة التنفيذية، ومع أن النائب العام المقال قد استعمل ذلك التحصين في ضد ذلك تمامًا فإن معظم النخبة يرفض إقالته ولو عن طريق مخرج قانوني كـ"الإعلان الدستوري" الذي أصدره الرئيس "مرسي" بدعوى سيادة القانون!
إن جزءًا كبيرًا من أسباب عزلة النخبة العالمانية راجع إلى أن رموزها يعانون حالة عجيبة من الازدواج يظهر حتى في المواقف المبدئية؛ وخذ عندك مثلاً:
تصريح الدكتور "عمرو حمزاوي" عن الزواج المدني والذي ذكره كقسيم للزواج الديني وكيف عاد وعاب على المشاهد الذي لا يفهم أو الذي يتصيد!
وعندما جمعتني به مناظرة وكنت قد كتبتُ نص حواره سؤالاً وجوابًا وطلبت منه أن يقرأ الكلام ثم يبين وجه اللبس في فهمه، وقلت له: "أنا أرى أن كلامك جاء محكمًا" فاعتذر بعذر جديد وهو أنه كان "سرحان" عندما قال هذا الكلام!