دستور الأمة أم دستور النخبة؟ (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ثم سألتُه في ذات المناظرة عن مقالة له يذكر فيها أنه سوف يُخير ابنه عند بلوغه بين دين أبيه ودين أمه "الإسلام والنصرانية" فنفاها رغم أنها موجودة على الإنترنت حتى الآن!
وسألته عن تصريح له يصف فيه المادة الثانية بأنها "تمييزية بامتياز" فنفى وقال: "إنها فوق دستورية" رغم أن الفيديو موجود على اليوتيوب إلى الآن!
وقلتُ له: إننا نضبط الحرية والمساواة بضوابط الشريعة فأقر ثم هو ذا يجوب الدنيا من ألمانيا إلى أمريكا مستعديًا للشعوب الأجنبية على بلادنا من أجل أننا نريد أن نكتب في الدستور المساواة بين الرجل والمرأة بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، وعندما أنكر عليه البعض هذا الصنيع قال: "إنه خاطب البرلمانات لا الحكومات!" -وسؤال للدكتور حمزاوي -ولابد من التركيز قبل الإجابة ومنع السرحان-: مَن يأخذ القرار هناك البرلمانات أم الحكومات؟!-.
النخبة والاستبداد:
لقد جاءنا الغزو العالماني على متن البوارج الحربية الفرنسية ثم الإنجليزية في ظل حكم ملكي لأسرة ذات جذور تركية.
وفي ظل هذا الجو عاشت الأمة ثلاثة أنواع من الصراعات:
1- صراع فكري مع "النخبة" المنبهرة بالفكر الوافد.
2- صراع سياسي مع الملكية "المستبدة".
3- صراع عسكري مع المحتل الغاشم.
وكان الأزهر في طليعة الأمة في كل معاركها؛ فعلى صعيد المعركة الأولى كانت معركة كتاب "الإسلام وأصول الحكم" وكتاب "في الشعر الجاهلي" وغيرهما... وعلى الصعيدين الآخرين كانت جهود الشيخ "عمر مكرم" ضد المماليك المستبدين ثم ضد "خورشيد باشا" ثم ضد " محمد علي باشا"؛ بالإضافة إلى جهاده ضد المحتل الفرنسي وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
ورغم أن معظم النخبة كانوا مع "الأمة" في معاركها ضد الاستبداد والاحتلال إلا أن بعضهم اكتفى بمقاومة الاحتلال بينما ارتمى في حضن الاستبداد، وبعضهم اختار الأسوأ على الإطلاق بالارتماء في أحضان المستبد والمحتل معًا كما حدث من "أحمد لطفي السيد" الذي ودَّع "كرومر" مجرم دنشواي بخطاب مجده ونسب إليه ما نسب من فضائل ولم يشر إلى جرائمه ولو حتى تلك التي خجلت منها "بريطانيا" فسحبته من مصر، وعندما جاء خلفه استقبله بترحاب شديد راجيًا أن يكون خير خلف لخير سلف!
وبداية لابد وأن نعلم أن المستبد يخاف من الحرية بكل أنواعها، ومنها: الحرية السياسية كما في النظام الديمقراطي إلا أن خوفه من الشريعة أشد؛ لأن الديمقراطية تجعل المعارضة حقًا للمواطن بينما هو في الشريعة واجب "إنكار المنكر".
ثم إن القاعدة الذهبية للمستبدين هي "فرق تسد"، ومِن ثَمَّ وجد المستبدون في تلك النخبة المنبتة عن التربة المصرية ضالتهم مع أن معظم هذه النخب "باستثناء من يؤمنون بالنظريات الشمولية" هم ضد الاستبداد نظريًّا إلا أنهم قرروا أن يكونوا معه مؤقتًا ريثما يقنعون ذلك الشعب بضرورة فصل الدين عن السياسة أو على الأقل تنظيم العلاقة بينهما.
بينما غالبية الشعب المصري لديها اليقين الجازم بحسن الشريعة وتمامها وكمالها وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان وكونها هي المرجعية العليا التي تَحكم ولا تُحكم وتنظـِّم ولا تنظـَّم، وغاية ما يمكن أن يؤثر فيهم هو تساؤلات حول مدى شرعية التدرج في تطبيق أحكام الشريعة وما هي آلية حل الخلاف بين العلماء إلى آخر هذه القضايا الفرعية التي تحتمل الأخذ والرد، وتبقى القضية الأصلية ثابتة في قلوب الأغلبية، ومِن ثَمَّ طالت تلك الفترة الانتقالية إلى ما يقرب قرنين من الزمان وما زال يُراد لها أن تطول أكثر.
وللحديث بقية -إن شاء الله-...