الدستور ومحرقة أدعياء الحرية... الدكتور "البرادعي" أنموذجًا
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مبادئ الحريات وحقوق الإنسان واحترام الآخر وما شابه ذلك عند أدعيائها من الغرب وأذنابهم من دعاة التغريب -ممن يتشدقون بالحرية ويرفعون أعلامها وهم أبعد الناس عنها، بل بينهم وبينها بعد المشرقين- ما هي إلا قيمة مصلحية تُستخدم متى نفعت ويُتخلى عنها إذا لم تنفع، لكن القاعدة التي لا يخالفها هؤلاء ولا يختلفون عليها أن تلك الحرية دائمًا ممنوعة ومقموعة إذا ما هَددت مصالحهم أو ألمحت ولو من بعيد لعوراتهم وسوءاتهم، كما أنها دائمًا مسنودة ومحمية إذا ما أساءت للإسلام والمسلمين!
وها هم اليوم لا يحترمون حق الأغلبية الكاسحة في مصرنا المسلمة وحريتها في صياغة وكتابة دستور يعبِّر عن هويتها وهوية بلادها -بل ويعلنونها حربًا لا هوادة فيها لفرض أهوائهم ورغباتهم وإن هدمت الدولة ومؤسساتها-، مع أن هذا الدستور من بعض ما تميز به أنه كفل الحقوق والحريات الشخصية والسياسية والمعنوية -كالاعتقاد والفكر والإبداع- والاجتماعية والاقتصادية، بل والرياضية، وكفل حرمة الحياة الخاصة والمنازل -عدا حالات الخطر والاستغاثة-، بل كفل الكرامة لكل من يعيش على أرض مصر وليس فقط مواطنيها، وهو في الجملة اشتمل على مزايا وحقوق لم يشتمل عليها أي دستور من الدساتير السابقة عليه وقد شهد بهذا المنصفون من هؤلاء أنفسهم، بل قال د."ياسر برهامي": "هذا المشروع للدستور هو أفضل دستور كتب لمصر في عصرها الحديث "بالمقارنة بما سبق" وهو جدير بالموافقة عليه"، ومع ذلك يحاربونه!
فإن الحرية التي يريدون أن يوهمونا أنها مقدسة مطلقة وأنهم حُماتها هم أول من يتخلى عنها إذا ما تُعرض لشيء من مقدساتهم وأولوياتهم ومصالحهم "بل وأفكارهم" ولو من طرف خفي، فإذا بهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها وينسون كل شعاراتهم... !
فحريتهم التي وسعت كل لامز وطاعن في مقدسات المسلمين وسكتت عن المستهزئين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في رسومهم وأفلامهم وجعلتهم يؤيدون ويدافعون عن مثل: "وليمة لأعشاب البحر"، ويكافئون ويدِّعمون أمثال: "سلمان رشدي" الطاعن في الإسلام والمستهزئ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في روايته "آيات شيطانية"، و"نجيب محفوظ" في روايته: "أولاد حارتنا" المتضمنة لأنواع مِن الاستهزاء بالله ورسله، بل في الحقيقة تعبِّر عن فلسفة "موت الإله، ومولد السوبرمان في عصر الخرافة" والتي أعطوه عليها جائزة نوبل! - تلك الحرية ضاقت عن احتمال أي نقد يوجَّه إلى مقدساتهم ورموزهم وأفكارهم ومناهجهم.
ولا ننسى كيف ثارت "الدوائر الإعلامية" على الشيخ "عبد المنعم الشحات" -المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية- لما تعرض بالنقد لـ"نجيب محفوظ" ولرواياته المحرضة على الرذيلة والفجور، فقامت قائمة القوم وهاجوا وماجوا وجاءوا بخيلهم ورجلهم صفًا ليرموا الشيخ عن قوس واحدة، ووصفوا الشيخ بالعظائم وأنه صاحب فكر ظلامي ورجعي وأنه عدو للإبداع وحرية الرأي -مع أن ما ذكره الشيخ عبد المنعم قد سبقه إليه الأزهر ومنع الرواية من النشر، فهلاّ حاربوا الأزهر واتهموه بذلك قبل الشيخ عبد المنعم؟!-.
وها هي تلك الدوائر وأذناب الغرب ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا -وبعضهم كالدكتور "البرادعي" لا يحسن أن يتكلم بلساننا- يخالفون ما يتبجحون ويتشدقون به ويخرجون عن الشريعة والشرعية معًا، فينادون بإسقاط الرئيس المنتخب والخروج عليه وإهدار قراراته وإجهاض مشروع الدستور قبل أن يعرض على الشعب! ويريدون أن يجروا البلاد والعباد إلى الخراب والدمار، ولا يبالون في سبيل تحقيق أهدافهم ولو بإسقاط مؤسسات الدولة وإحراقها، ولو باستعداء الغرب على بلادنا والتآمر مع أعدائنا؛ إذ وصل الأمر بالدكتور البرادعي -وهو من كبار الدعاة إلى الليبرالية والمدافعين عن الحريات- أن يعتبر مَن لا يؤمن بـ"الهولوكست" ولا يصدق بها من أعضاء الجمعية التأسيسية لا يمثـِّله!
حيث صرَّح في حواره مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية أن سبب رفضه للجمعية التأسيسية لكتابة الدستور أن: "هناك في هذه الجمعية من يقول بحرمة الغناء والموسيقى، وهناك من يقول بجواز زواج الصغيرة إذا كانت تطيق الزواج وإن لم تبلغ، وهناك من ينكر الهولوكست"! وقال أيضًا: "الهولوكست جريمة ضد البشر"، وقال أيضًا: "اللي يرفض الهولوكوست ويحرم الأغاني في التأسيسية لا يمثلني"!
ولا شك أن هذه تصريحات صادمة ومهينة لكل المشاعر الوطنية -فضلاً عن غيرها- ذلك أن إقحام مسألة إنكار "الهولوكوست" في سياق الاعتراض على الجمعية التأسيسية لوضع الدستور لا يعني سوى استعداء الدوائر الغربية على هذه الجمعية .
فالدكتور البرادعي لا يجهل أن "الهولوكوست" أصبحت أحد "التابوهات" -التابوه: المحرم أو المحظور- الممتنعة حتى على حرية التعبير، بل وأضحت خطًا أحمر مجرد التشكيك فيه -فضلاً عن تخطيه- جريمة وجناية يعاقب عليها القانون في كثير من دول أوروبا، منها: "فرنسا، بلجيكا، سويسرا، ألمانيا، النمسا، رومانيا، سلوفاكيا، بولندا... "، وإن كانت في ذات الوقت أحد أبرز الأمثلة التي تحطمت على أعتابها ادعاءات حرية التعبير والإبداع والحرية المطلقة.
ومعلوم كيف أن اليهود روجوا "الهولوكست" وبالغوا فيها وهولوا في أعداد ضحاياها -على الخلاف في ثبوتها أصلاً- ابتزازًا للألمان واستعطافًا للعالم وتحقيقًا لأهدافهم ومطامعهم.
ولكن اتضح أنه ليس اليهود وحدهم من لعب على وتر الاستضعاف واستجداء تعاطف العالم "باستثمار الهولوكست"؛ ليحققوا أهدافهم ومطامعهم والمكاسب التي يطمحون إليها، بل فوجئنا بالدكتور " محمد البرادعي" يلجأ إلى نفس الأسلوب الاستعطافي مستثمرًا ومتاجرًا أيضًا "بالهولوكست" مستعديًا "في سبيل القضاء على مشروع الدستور" الغرب على الجمعية التأسيسية المعنية بكتابة الدستور!
ولا يبدو تفسير لذلك غير هذا.