دستور الأمة أم دستور النخبة؟ (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلقد استطاع المستبدون عبر كل هذه العصور أن يضربوا الأغلبية المؤمنة بالشريعة بالنخبة -التي من الناحية العملية على الأقل- لا تريد الشريعة، فرمت النخبة الشعب بالتخلف والرجعية فردت عليهم الأمة ممثلة في الأزهر: "أنكم أقوام تَملَّك الانبهار بالغرب قلوبكم وعقولكم"؛ لتدور أتون معركة جنا المستبدون ثمارها ترسيخًا لحكمهم وتثبيتًا لكراسيهم لا سيما وهم يحرصون على التظاهر بدرجة حب للشريعة أكثر من تلك النخبة -وإن لم ترقَ بالطبع إلى تطبيقها لا في المجتمع ولا على أنفسهم اللهم إلا من أداء بعض الشعائر في بعض المناسبات-.
وهذا في النهاية يجعل الغضب ينصرف عنهم إلى النخبة، بالضبط تمامًا كما كان الرئيس يجعل رئيس وزرائه ترسًا له من الإخفاقات التنفيذية.
ولم تغب الكنيسة عن المشهد وتم محاولة توظيفها عدة مرات لإعطاء مشروعية مزيفة للحاكم المستبد، وتحريضهم ليرفضوا هم تطبيق الشريعة نيابة عن الحاكم المستبد بينما دينهم يطالبهم بطاعة الحاكم أيًّا ما كان نوع الحكم الذي يعيشون في ظله كما في النص المنسوب لعيسى -عليه السلام- في الإنجيل: "أعطِ ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، فأقل الأحوال أنهم من الناحية الدينية: لا مانع عندهم من تطبيق الشريعة الإسلامية.
ومن الناحية الواقعية: فالشريعة أفضل لهم من غيرها لاعتبارات يطول شرحها هنا، من أهمها: أن استناد هذه الحقوق إلى أساس ديني يضمن لها الثبات والاستمرار حتى في حالة انهيار مؤسسات الدولة كما حدث في الأسابيع الأولى لثورة الخامس والعشرين من يناير.
وقد تبنت الكنيسة في وقت ما هذه الرؤية كما في حديث البابا "شنودة" السابق لجريدة الأهرام عام 1985م، وإن كانت لعبة المستبد الداخلي والمتآمر الخارجي قد غيرت قواعد هذه المعادلة.
كما استعان المستبد على ذلك ببعض مَن يطلق عليهم في الأدبيات الإسلامية بـ"شيوخ السلطان"، كما استعان ببعض مَن فهموا نصوص طاعة ولي الأمر على غير وجهها مع أنهم في مصر لا يوجد من رموزهم إلا أفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة خلفهم أتباع يعدون بالآلاف على أقصى تقدير، ومع هذا يصر الإعلام على أن يزعم أن هذه هي الحالة العامة للسلفية قبل الثورة -ولهذا الحديث مجال آخر-.
لقد حصل المستبد السياسي على ما يريد في ظل حماية فكرية من "النخبة المستبدة فكريًّا"، وتبنى مشروع تحويل القيادة الكنسية من القيادة الدينية إلى ما يشبه القيادة السياسية للطائفة بما ينافي المفهوم الكنسي للتدين من جهة وينافي مفهوم الدولة الدستورية القانونية الحديثة من جهة أخرى!
ومن المهم هنا أن نبين: أنه لا يمكن تعميم الحكم على الأفراد والكيانات وليراجع كل فرد نفسه ولنقصر أنفسنا على الثلاثين سنة الماضية -فترة حكم مبارك-، ولينظر كل فرد إلى نفسه على أي فريق كان يُحسب، وبالطبع فكل واحد بعد الثورة قد فتش في دفاتره القديمة عن مقالة انتقد فيها "فخامة الرئيس" في أمر ما أو حديث استدرك فيه على "السيدة الفاضلة الأم الرحيمة" تصرف ما أو.. أو...
ولكن السؤال الذي يعنينا في سياق رصد ظاهرة سياسية اجتماعية هو: في أي صف وقفت النخبة على مدار ثلاثين عامًا؟ أو قل خمسة وعشرين عامًا لتُستثنى الفترة التي بدأ نظام "مبارك" فيها الترنح مما شجع أفرادًا من النخبة على الخروج من الحزب الحاكم، بل من مؤسسة التوريث داخله لينشئ حزبًا معارضًا، وبالصدفة المحضة ينال الترخيص من لجنة "صفوت الشريف" المسماة بـ"لجنة الأحزاب" فور تقديم الطلب.
لقد دافع أحدهم عن نفسه حينما اُتهم بأنه كان عضو لجنة السياسات بأنه لم يحضر فيها إلا ثلاثة اجتماعات ثم انصرف عنها ليأسه من إصلاحها! ولا أدري: هل كان إدراك أن لجنة السياسات فاسدة يحتاج إلى ثلاثة اجتماعات؟ وهل يليق مثلاً برجل شريف أن يتقدم لخطبة امرأة سيئة السمعة؟ وهل يعفيه من الحرج فسخ الخطبة بعد ذلك؟! وهل لسائل أن يسأل أيهما رفض الآخر: لجنة السياسات أم طالب القُرب منها؟
على صعيد آخر: نجد أن معظم أفراد النخبة كانوا موظفين في وزارة الثقافة "الوزارة التي فتحت شهية حرم الرئيس المخلوع على العمل في السياسة"، وكثير منهم شغل مناصب عليا في مؤسسات الصحافة القومية.
ومن ناحية أخرى بدا أن النخبة تدرك جيدًا أبعاد التحالف ومكوناته فبينما بقيت قرنين من الزمان تحارب من أجل محاصرة الإسلام داخل المسجد بحيث يُعزل عن الحياة السياسية نجد أنها كانت تحمل السياسة وتذهب بها إلى الكنيسة؛ حتى إن الدكتور "عمرو حمزاوي" بعد الثورة اختار الكنيسة ليعلن منها إنشاء أحد مشاريع الأحزاب التي دشنها "هكذا أعلن الخبر"!
ثم لما تم تداوله واستنكر مَن استنكر ذلك خرج علينا كعادته ناعيًا سوء الفهم وسوء التقدير والتربص والاغتيال المعنوي وغيرها من قنابل الدخان... ليعلن أن القضية ببساطة أنه كان في زيارة للكنيسة وأن الحديث عن الحزب قد جاء بلا ترتيب، وأن الغرض لم يكن الإعلان عن إنشاء الحزب وإنما أراد فقط أن يزف الخبر إلى الجمهور الذي حضر إلى آخر هذا الكلام... وهو تبرير لا يختلف عن نفيه القاطع بأنه استعدى الحكومات الغربية مع إقراره بأنه استعدى البرلمانات الغربية.
الحاصل الذي نريد أن نخلص إليه هو: أن ثالوث "الاستبداد - النخبة العالمانية - الطائفية" قد تحالف بصورة أو بأخرى وتعاونت أضلاعه بدرجات متفاوتة، وجاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير وتحركت النخبة لأول مرة في تاريخها ضد الاستبداد -وإن كانت بعض كتائبها ما زالت قابعة في أماكنها بما سمي إعلاميًّا بالفلول والوصف الدقيق لهم أنهم "جيوب" لا فلول-.
وانتقل الإسلاميون -لا سيما السلفيين والإخوان- من المعارضة الإصلاحية بشقيها الدعوي والسياسي إلى المعارضة الثورية، ومن المعلوم من تاريخ الشعب المصري عامة والحركة الإسلامية في مصر خاصة غلبة النزعة الإصلاحية على حساب النزعة السياسية، ومن ثَمَّ فقد اكتفت الثورة -بجميع المشاركين فيها- بإسقاط رأس النظام بطريقة ثورية، وقررت أن تستكمل التطهير بطريقة دستورية قانونية وهو خيار شأنه شأن أي خيار آخر له مزاياه وعيوبه، وإن كنا نرى أن مزاياه أكثر -ولهذا الحديث تفصيل ليس هذا موضعه-.