شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دستور الأمة أم دستور النخبة؟ (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

كما تخلصت الكنيسة من حلف يبدو أنه كان يمثل لها حرجًا بدليل أن أول تصريح للبابا الجديد للكنيسة كان بمثابة اعتذار عن تأييد الكنيسة لمبارك مبررًا ذلك بأنه لم يكن له بديل.

وشعر الجميع بالحاجة إلى الحوار وكان الشعور بأن التعايش السلمي بين المسلمين والنصارى أعمق من أن يحتاج إلى مستبد، لا سيما مع ظهور أخبار أفادت أن النظام المستبد هو من دبر تفجير كنيسة القديسين التي حدثت في عيد رأس السنة 2011م، ومع تنامي هذا الشعور والاقتراب من الخروج من شرنقة الطائفية تحركت جيوب الاستبداد لتجعل من أحداث فردية أو موهومة قضية تؤجج نار الاحتقان الطائفي.

وتحركت النخبة في أول الأمر بقدر من الاستعلاء، ولكنها شعرت بأنها لا تجد المساندة والدعم اللوجيستي "الاستبدادي" المتمثل في جهاز مباحث أمن الدولة، فلم يتخيل بعضهم قدرة على مناظرة ولا حتى حوار بدون "الاستبداد" فراح يصرخ ويولول: "أين السجون؟ أين المعتقلات؟ أين قانون الطوارئ؟ بل هتف بعضهم بلا خجل: أين العادلي ومبارك؟!".

في الوقت الذي فيه قَبِل البعض الآخر لغة الحوار التي علت شيئًا فشيئًا حتى ظننا أن الثورة قد أعادت نخبة مصر إلى تربتها -وإن حافظوا على مصطلحات يمكن إدراجها تحت قاعدة: "لا مشاحة في الاصطلاح"-؛ فالمدنية عندهم مشتقة من وثيقة المدينة، والليبرالية هي الحرية المنضبطة بالنظام العام وعلى رأسه في بلادنا الشريعة الإسلامية وإن خالفت ليبرالية "لوك" و"هوبز"، والديمقراطية في عرفهم لا يمكن أن تحل الحرام أو تحرم الحلال وإن لم يكن ذلك واردًا عند "روسو"، والمساواة بين الرجل والمرأة هي تقابل الحقوق والواجبات وهو العدل المذكور في قوله -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) ، وإن زعمت المواثيق الدولية غير ذلك، فالشريعة فوق المواثيق الدولة وفوق كل شيء آخر، والحدود واجبة التطبيق إلا أنها تحتاج إلى بعض الدراسة.

ولكاتب هذه السطور مناظرات "بحسب الترتيب الزمني لإجراء المناظرة" مع كل من:

1- د.وحيد عبد المجيد.

2- د.ضياء رشوان.

3- د.عمرو حمزاوي.

4- د.عمار علي حسن.

5- د.سعد الدين إبراهيم.

وهي متوافرة على الإنترنت سوف تجد في كل منها "خصوصًا مناظرة الدكتور حمزاوي" هذا الكلام كله أو بعضه.

ومن هنا دخلنا على كتابة الدستور ونحن مستبشرين أن هناك توافقًا عامًا على مواد الهوية، وأن هناك توافقًا عامًا على أن نظام الحكم الأمثل هو شبه الرئاسي، مما يعني أن عملية إنجاز الدستور سوف تكون سلسلة، وبدا الجو لطيفًا في أول الأمر، ولكنه كان مغلفًا بكلمة "لكن"؛ تلك الكلمة التي تحتاج إلى بحث لغوي وأصولي، بل وسيكولوجي عميق.

فكان الخطاب:

- نحن مع الشريعة ولكن نصر على التعبير عن ذلك بنفس صيغة المادة الثانية في دستور 71، مع أن قوله -تعالى-: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (الجاثية:18) هو المقدس بينما المادة الثانية بشرية يجب أن يدرس مدى وفائها بالتعبير عن معنى الآية من عدمه ومراجعة هذه الصياغة وما أحدثته من جدل داخل المحكمة الدستورية إلا أن لسان حال البعض يوحي بأن صياغة المادة هو المقدس دون الآيات العامة بالتحاكم إلى الشريعة.

- نحن لا ننوي مخالفة أحكام الشريعة، ولكن نعترض على النص على ذلك في المادة الخاصة بالمساواة بين الرجل والمرأة، مع أنها منقولة بنصها من دستور 71!

- نحن لا نريد أن نسمح بالشذوذ الأخلاقي "أعم بكثير من الشذوذ الجنسي"، ولكن نرفض أن يذكر أن الحريات منضبطة بالنظام العام للدولة.

- نحن نحب الأزهر ونحترمه، ولكننا نرفض النص على أنه المرجعية في شؤون الشريعة الإسلامية حتى لا يكون فوق المحكمة الدستورية، وحتى بعد جعل رأيه استشاريًّا ما زالت الاعتراضات على المادة تملأ السهل والوادي.

كانت هذه "اللواكن" التي أثيرت فيما يتعلق بموضوع الهوية والشريعة الإسلامية من الدستور، وقرر أصحاب هذه "اللواكن" الذهاب إلى "الأزهر" فأبدى مرونة أوسع مما كنا نود، ولكننا قبلنا بها تعظيمًا لدور الأزهر وقبلت النخبة والكنيسة ووقعوا ووقعنا حتى إذا ما اقتربت لحظة القطاف اكتشف بعضهم فجأة وبعد خمسة أشهر من العمل أن الجمعية غير متوازنة!

واكتشف البعض الآخر أنه وقَّع على تلك المواد مجاملة، وزاد على ذلك الرجوع في مجاملته وليت الأمر اقتصر على الرجوع بمعنى التصويت بـ"لا" على ما وعد وتعهد ووقع على أنه سوف يصوت عليه بـ"نعم"، بل إلى قلب الطاولة رأسًا على العقب.

خاتمة:

إن المتتبع لتاريخ الدساتير المصرية منذ عام 1882 وحتى ما قبل ثورة يناير يجد أن الدساتير كانت "مناصفة بين المستبد والنخبة" فتارة تكون أميل إلى الأول كدستور 56 و71، وتارة إلى الثاني مثل دستور 1923م، والأمة على الهامش وإن نالت قدرًا من الحصول على حقها لا سيما في التعبير عن هويتها كما في دستور 1971م.

والجديد في دستور 2012م أن ممثلي الأمة -وفي الطليعة منهم الأزهر- وممثلي الصحوة الإسلامية قد تصدوا لكتابة مسودة الدستور ليعرض في استفتاء عام على الأمة ككل، وأن الأزهر قد بالغ في محاولة تمرير كل ما يقبل التمرير -ولو بشيء من التأويل- من مطالب النخبة وكانت النخبة راضية بذلك موقَّعة عليه حتى جدَّ في الأمور جديد فانسحبت الكنيسة وانسحبت على إثرها النخبة، وظهرت "جيوب النظام الاستبدادي"؛ لتحرض وتشارك في اعتراضات وتظاهرات.

ومن المؤسف أن يبرر هؤلاء انسحابهم بأن هذا دستور السلفيين والإخوان، وهم أول مَن يعلم أن جميع المواد المتعلقة بالهوية والشريعة في هذا الدستور "وعلى رأسها المادة 219 المفسرة للمادة الثانية" هي من وضع "هيئة كبار العلماء في الأزهر"، وأن الأزهر قد راعى قدر الطاقة مطالب النخبة.

إن الحقيقة الناصعة هي أن هذا الدستور هو أول دستور تكتبه الأمة بقيادة "رموز أزهرها"، مثل الدكتور: "حسين حامد حسان"، الجامع بين أعلى درجات التخصص في الفقه وأعلى درجات التخصص في القانون والذي كتب دساتير عدة دول إسلامية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية