القِلة والأقلية المصرية... فتنة في الأرض وفساد عريض
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أخبر الله -تعالى- أنه لا يحب الفساد وأنه لا يحب المفسدين، ونهى -عز وجل- عن الفساد في الأرض فقال: ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ) (الأعراف:56) ، وإنما صلحت الأرض ببعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أوحاه الله إليه من الشريعة العامة الشاملة، قال أبو بكر بن عياش -رحمه الله-: "إن الله بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد فهو من المفسدين في الأرض" (تفسير ابن أبي حاتم) .
وإن من أعظم صور الإفساد في الأرض محاولة الكارهين لما أنزل الله تهميش الشريعة الإسلامية "إذا لم يمكنهم محوها والقضاء عليها" وتعطيل الرسالة وإطفاء نور الوحي الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقد ابتليت مصرنا الغالية -حماها الله- بثلة تجيد المتاجرة بالشعارات وادعاء الوطنية والثورية، ثلة متمثلة في قلة من العالمانيين والليبراليين وأقلية نصرانية؛ مردوا جميعًا على محاربة أهل الإسلام وشريعة الله -عز وجل-، واحتكروا لأنفسهم أوصافًا براقة يخدعون بها من وقع في حبائلهم وأشراكهم، فهم -كما يزعمون- يمثلون النخبة والتنوير والثقافة والمدنية... ويزعمون أنهم ما يريدون بالبلاد والعباد إلا إحسانًا وتوفيقًا -وإن كانوا في الحقيقة يفسدون في الأرض ولا يصلحون- في الوقت الذي يخلعون فيه على دعاة الإصلاح والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصافًا من عينة: "الإرهابيين - المستبدين - الظلاميين - الرجعيين - ... !".
وقد بيَّن -عز وجل- كيف أن أهل الفساد والإفساد يرمون المصلحين الحقيقيين بالإفساد، بل يؤكدون ويحصرون الإصلاح في أنفسهم المريضة المفسدة، فهذا فرعون -الذي هو من أعظم المفسدين- يلبس ثوب المصلح، ويتهم موسى -عليه السلام- بأنه يريد أن يظهر في الأرض الفساد! ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ) (غافر:26) ، وكذا المنافقون وصفهم الله -تعالى- بقوله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) (البقرة:11-12) ، فجمعوا بين الإفساد في الأرض وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح، وهذا قلب للحقائق فأكذبهم الله -عز وجل- وحصر الإفساد فيهم.
وهذا بالضبط ما تفعله القِلة والأقلية المصرية في بلادنا، يفسدون في الأرض ويدعون أنهم مصلحون ويتهمون أهل الإصلاح بالفساد والإفساد.
إن القلة والأقلية في بلادنا هم المستبدون الحقيقيون السائرون على طريقة فرعون: ( مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) (غافر:29) ، ولابد أن تستجيب الأمة لمطالبهم؛ وإلا كان الإحراق والتدمير والإفساد والقضاء على الدولة ومؤسساتها، فيريدون أن يتحكموا في مقدرات الشعب وإلغاء إرادته فيشهرون "فيتو القِلة والأقلية" في وجه الإرادة الشعبية الكاسحة!
يريدون فرض وصايتهم على شعب ثار على الظلم والقهر وفساد مستشرٍ في كل مفاصل الدولة، وهذا بزعم أنهم يحافظون على مدنية الدولة ومنع استبداد الإسلاميين -قاتلهم الله... ما أكذبهم!-.
والحقيقة أن القلة والأقلية المصرية المدعية للوطنية والإصلاح والإنقاذ والتنوير... لا علاقة لها بهذه المفاهيم إطلاقًا، بل هم يتاجرون بها لتحقيق مآربهم الخبيثة التي تستهدف "مصر الإسلام".
فأما القلة -الذين يروق لهم أن يسموا أنفسهم بالنخبة-:
فهي بكل طوائفها من العالمانيين والليبراليين والإعلاميين ليس بخافٍ على أحد ما كانوا عليه من التبعية للنظام السابق بكل ما فيه من شرور وآثام، فكان معظم أفرادهم موظفين في وزارة الثقافة، وكثير منهم شغل مناصب عليا في مؤسسات الصحافة القومية -ومن ارتدى منهم ثوب المعارض ظاهرًا كان في حقيقة الأمر جزءًا من النظام لتحسينه وتجميله- ثم لما قامت الثورة إذا بهم يتحولون إلى ثوار وأبطال، ومواقفهم المتناقضة -قبل وبعد الثورة- مسجلة معروفة بين الناس بالصوت والصورة!
ولنا أن نتساءل: ماذا قدمت "النخبة" الثورية الوطنية لوطنها وأهل وطنها... ؟!
لم نرَ النخبة تقدم خيرًا للبلاد والعباد فلم تنصر مظلومًا أو تساعد محتاجًا، بل كانت النخبة -التي كان يفترض أن تكون قاطرة النهضة في بلادنا- دومًا في الأبراج العاجية تتقاضى الملايين من الجنيهات وتأتيها الأموال الطائلة.
لم تحارب النخبة يومًا في سبيل هذا الشعب أو تناضل من أجله وتدافع عن حقوق المقهورين والمظلومين طوال العقود الماضية التي كانت منشغلة فيه في البزنس والمصالح الشخصية ومستغرقة في السهرات والحفلات... في نفس الوقت الذي كان النظام السابق يقف بالمرصاد لأصحاب الدعوة إلى الله -خاصة العلماء الربانيين الذين على منهج السلف الصالح لا يتزحزحون عن قضاياه، خصوصًا قضايا العقيدة والحاكمية والولاء والبراء... - المطالبين بإقامة الشرع والعدل ورفع الظلم والفساد، في حين أن النخبة تتقلب في ألوان الترف ومباهج النعيم.
لقد كانت النخبة "ولا زالت" متنكرة حتى لعقيدة أمتها -التي لا يزالون ينسبون أنفسهم إليها- ومبادئ دينها فكانت -ولا تزال- موالاتها وتأييدها للكنيسة وأهوائها، فلم تقف النخبة يومًا لتدافع عن سيادة الدولة التي كانت الكنيسة لا تقيم لها أي وزن وتعتبر نفسها دولة مستقلة داخل الدولة في عصر مبارك، بل كانت كما قال شيخنا د. ياسر برهامي: "فوق الدولة".
ولم تقف النخبة يومًا لتدافع عن حقوق المسلمات الجدد وعن قضاياهن وعن الحق الأصلي لكل إنسان في التزام الدين الحق -الإسلام- في نفس الوقت الذي دافع فيه بعضهم عن المرتدين من البهائيين ونحوهم، وآخر دافع عن الكفار الأصليين من عبَّاد بوذا وعن حرياتهم في اختيار ما يريدون من ديانات، وهم الذين يتغنون بالحرية بالليل والنهار!
فأين الوطنية عند هؤلاء... ؟!