دستور الأمة أم دستور النخبة؟
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تحدثنا في "الجزء الأول" من المقالة عن الأمة المصرية وكيف تقف الأغلبية الساحقة من مسلميها موقف المتيقن من الشريعة الإسلامية ومن حسنها وتمامها وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان، وبيَّنا أن دين النصارى لا يمنع أتباعه من الالتزام بأي قانون، ومن ذلك: القوانين المأخوذة من الشريعة الإسلامية طالما سوف يطبقون شرائعهم في أحوالهم الشخصية.
ومن هذا المنطلق: فإنك لن تجد قضية يقترب موقف المصريين منها من الإجماع مثل: "قضية مرجعية الشريعة الإسلامية"، ومع هذا كان للشريعة خصوم تمثلوا في مثلث: "الاستبداد - العالمانية - الطائفية".
وإذا كان المستبد يعادي دعاة الحرية الذين يطالبون بحق المعارضة؛ فما بالنا بالشريعة التي تجعل المعارضة واجبة "إنكار المنكر"؟ فضلاً عن أن الشريعة تغل يد المستبد في التشريع بالهوى.
وأما عن الفصيل العالماني: الذي يحب أن يصف نفسه بالـ"نخبة" فيقف من الشريعة الإسلامية وصلاحياتها للتطبيق موقف الشاك والمتردد؛ هذا من الناحية النظرية وأما عمليًّا فيقف موقف "الرافض" للشريعة أو الرافض لمرجعيتها العليا الشاملة أو موقف مَن يريد أن يعطي البشر حق الأخذ من الشريعة أو الترك.
وأما قادة الكنيسة الذين يستهويهم العمل السياسي ويغريهم لعب دور زعيم الطائفة؛ فلا شك أنهم بهذا المفهوم يجب أن يقدموا للطائفة مكاسب سياسية، وإن لم تكن نابعة من تفسير ديني صحيح.
وفي بعض فترات التاريخ المصري انضم ضلع رابع أشد خطورة وهو الاحتلال الصريح حينًا أو المستتر حينًا آخر، والذي يتمثل في الهيمنة الفكرية والثقافية.
وفي المقابل كانت الأمة تدافع عن هويتها وفي القلب منها الشريعة الإسلامية الغراء في وجه تحالف مصالح على حساب المبادئ، تجلت أعظم مظاهره في سماح المستبد للنخبة بشيء من المعارضة "الآمنة" الممزوجة بمواجهة شاملة للأمة وتهميش كل من ينتمي إلى الثقافة الأصلية لها.
ومِن ضمن الميادين التي شهدت صراعًا محتدمًا حول الهوية: "الدستور".
وفي "الجزء الثاني" تحدثنا عن كل دساتير مصر السابقة والتي كتبت بواسطة "النخبة" المعينة من قِبَل "المستبد"، وأن الأمة كانت تكافح وتناضل وتدفع من دماء أبنائها ثم تجلس النخبة بعد ذلك تتفاوض وتكتب الدساتير... فيكون أهون شيء عليهم هي مطالب الأمة وهويتها!
وفي هذا الجزء نتناول كفاح الأمة ضد النخبة في "دستور 2012م... ثورة الخامس والعشرين من يناير".
كانت السنوات العشر الأخيرة من حكم "مبارك" تجسيدًا صارخًا لحلف "الاستبداد - النخبة - الطائفية"، بل بلغ الأمر أن النظام كان يطبِّق الرأسمالية المتوحشة بينما "النخبة" الثقافية كلها ذات مزاج يساري وكلاهما يشجع الآخر على ضرب الاتجاه الإسلامي في سويداء القلب، واستمر العمل بقانون الطوارئ مما أغرى مبارك باستعماله في تمرير سيناريو التوريث، وكان هذا بمساعدة عدد كبير من النخبة وإن كان بعضهم بدأ يعارض هذا التوجه في أواخر عصر "مبارك" لسبب أو لآخر...
وكان للتوسع في استخدام قانون الطوارئ واستسهال الحل الأمني كبير الأثر في تأزم الأمور، حتى انطلقت شرارة "مظاهرات 25 يناير" والتي انتهت بمقتل ثلاثة في السويس -نسأل الله أن يتقبلهم عنده في الشهداء- فكانت "جمعة 28 يناير"، وانهارت الشرطة وبدأت الثورة وشارك فيها الكثير من الشباب المصري غير المنتمي إلى أي تنظيم، كما شارك فيها التيار الإسلامي بصورة كبيرة جدًّا وإن كانوا قد استجابوا لنصائح باقي الميدان بعدم رفع شعارات إسلامية حتى يظل الميدان في أمان من أن يُستعمل ضده قانون الطوارئ.
ومِن ثَمَّ رفع الثوار مطالب شعبية عامة "عيش - حرية - عدالة اجتماعية"، ونجحت الثورة وتنحى مبارك وبدأت النخبة تمارس لعبتها المفضلة...
"النخبة" تشن حربًا غير مبررة على المادة الثانية:
تنحى "مبارك" وترك قيادة البلاد للمجلس العسكري، وهذا الإجراء لا يتوافق مع دستور 71 مما لزم معه تجميد الدستور وإصدار إعلان دستوري بتاريخ "13 فبراير" يعلن تولي المجلس العسكري شؤون البلاد، وكان المطروح حينها أن يتم تعديل المواد المتعلقة بشروط الترشح للرئاسة في دستور 71، وإضافة مادة انتقالية تنص على إدارة المجلس العسكري لشؤون البلاد إلى حين إتمام انتخابات الرئاسة، لكن النخبة أصرت على عمل دستور جديد بناءً على أن الثورات تسقط الدساتير "طبعًا عادة ما تردد النخبة آراءها بوصفها أحكام مطلقة لا تقبل النقاش اعتمادًا على أنهم نخبة ويجب على عامة الشعب الانصياع، وقد كشفهم الله فيما بعد حينما صدر مشروع دستور 2012 أكثر انحيازًا للأمة فطالبوا بالعودة إلى دستور 71 وهم الذين زعموا قبل عامين أن الثورة لا تكون ثورة إلا إذا أسقطته!".
ولم تخفِ "النخبة" نواياها بشأن الدستور الجديد الذي أزمعوا عليه؛ إذ انطلقت سهامهم صوب "المادة الثانية" متزامنة تزامن طلقات الرماة في كتيبة عسكرية محاربة، فالدكتور "عمرو حمزاوي" يصفها بأنها: "تمييزية بامتياز"، والدكتور "سعد الدين إبراهيم" يطالب بحذفها أو جعلها الأديان السماوية المصدر الرئيسي للتشريع، والدكتور "يحيى الجمل" يصفها بأنها ديكورية.
حينئذٍ أطلقت "الدعوة السلفية" حملة دفاع عن المادة الثانية، كما تبنى التيار الإسلامي ككل تعديل الدستور بدلاً من كتابة دستور جديد، وكان هذا راجعًا إلى أمرين:
الأول: أن كتابة دستور في ذلك الوقت كان يعني حذف "المادة الثانية" أو العبث بها أو إعادتها إلى الوراء بحذف "الـ" وجعلها: "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع".
الثاني: الرغبة في تقصير الفترة الانتقالية قدر الإمكان.
بينما رفعت النخبة شعار "الدستور أولاً"، وهو أمر مبني على أمرين -وهما عكس دوافع التيار الإسلامي تمامًا-:
الأول: الرغبة في أن تكتب "النخبة" دستور الثورة قبل أن يكتسب التيار الإسلامي شرعية الصناديق.
الثاني: الانفصال بين النخبة والجماهير جعلها لا تشعر بحاجة الجماهير إلى الاستقرار.