شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دستور الأمة أم دستور النخبة؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وهنا وقف "المجلس العسكري" موقفًا وسطًا حيث شكَّل لجنة تعديلات دستورية ذات توجه إسلامي؛ لأنهم "أصحاب خيار التعديل" بحيث يتم طرح هذا الاختيار على الشعب فإن وافق عليه وإلا سرنا في مسار "الدستور أولاً".

وكانت اللجنة كريمة للغاية فضمنت مادة تشير إلى أن من حق البرلمان القادم ألا يعتبر هذا الدستور "دستور 71 المعدل" دستورًا دائمًا، وفي هذه الحالة يشكِّل البرلمان بغرفتيه لجنة من مائة فرد لكتابة دستور جديد.

استفتاء "19 مارس":

تم الاستفتاء وشرح التيار الإسلامي خطورة مسار "الدستور أولاً" والذي كان يعني أن يتم تعيين لجنة من النخبة لكتابة الدستور، وقد علمنا أنهم أظهروا نواياهم العدائية تجاه المادة الثانية، وتحركت الآلة الإعلامية العالمانية لتقول للناس: "قولوا لا"؛ ولسبب أو لآخر كانت تقديرات القوم أن "الشعب" عليه أن يسمع كلام "النخبة" دونما تردد ولا تفكير، ولكن الشعب انحاز وبقوة إلى "نعم" فحصل الاستفتاء على 78%.

إعلام النخبة واحتقار الشعب المصري:

صُدِم إعلام النخبة صدمة كبيرة وفقد اتزانه، وبدأ في التعبير الصريح الفج عن عدائيته للشعب المصري حتى قال الدكتور "عبد الحليم قنديل": "صوت ممن قال لا بمائة ألف صوت ممن قال نعم"!

وعادت نغمة أن مَن صوتوا بـ"نعم" يأخذون زيت وسكر! وهي أكذوبة اخترعها "النظام السابق" ليقلل من شأن معارضيه -ولكنه اخترعها يوم اخترعها وهو يمنع بآلته الأمنية الناس من الوصول إلى صناديق الانتخابات- فكانت الاتهامات تطول عشرات الآلاف أو مئاتها على أكثر تقدير ممن يصوتون لصالح التيار الإسلامي، ولكن أن يتم ترديد هذا الاتهام وتوجيهه إلى 14 مليون مصري صوتوا بـ"نعم"؛ فأمر يدل على أن قائله يزدري الشعب الذي ينتمي إليه، ويدل على أن مقولة "عمر سليمان": إن الشعب غير مهيأ للديمقراطية كان لها من "النخبة" من يؤيدها!

وإذا نظرنا بين سطور هذا الاتهام والذي اختص في الاتهام "الزيت والسكر" رغم صعوبة تداولهما لوجدنا أن نفسية من أطلق هذا الاتهام تنطلق من أنه يرى الشعب عار جائع لا يبحث إلا عن أمنه الغذائي.

الإعلان الدستوري "30 مارس":

كان من المفترض أن يتم إعلان إعادة تفعيل دستور 71 معدلاً بالمواد الستة المستفتى عليها، ومنها: أن اعتماد دستور 71 أو إعداد دستور جديد هو أمر بيد البرلمان المزمع انتخابه، ولكن الأمة أخطأت في حق نفسها يوم سمحت للمجلس العسكري بإصدار إعلان دستوري يتضمن المواد المستفتى عليها وعدد محدود من مواد دستور 71، والنص على تشكيل لجنة لإعداد الدستور بعد الانتخابات البرلمانية على وجه اللزوم.

إلا أن الله -تعالى- قد جعل في هذا الاختيار خيرًا للأمة؛ لأنه هيأ لها فرصة للحصول على دستور أفضل من مجرد التعديل على دستور 71، إلا أننا نتحدث هنا عن التلاعب بالإرادة الشعبية ومجاملة "النخبة" مرة ثانية إذ أعطتها السلطة فرصة ثانية لتنفيذ رؤيتها وبقيت هذه النخبة تمني نفسها بالفوز بأغلبية برلمانية تتمكن معها من اختيار جمعية تأسيسية تعصف بالمادة الثانية!

وثائق الجمل - السلمي ومليونيتي 29-7-2011، و18-11-2011:

الفكرة المحورية التي ندور حولها في هذه الدراسة هي أنه عبر تاريخنا المعاصر وقفت الأمة في جانب، ومثلث "الحاكم - النخبة - الطائفية" في الجانب المضاد.

واليك شاهد صارخ على هذا:

كان "المجلس العسكري" يعاني في إدارة أحوال البلاد المضطربة وتعاون معه التيار الإسلامي، في حين حاولت النخبة إسقاط المجلس العسكري لصالح مجلس رئاسي مدني معين، وفي ذات الوقت سعى إليه أفراد من النخبة يطالبونه بإصدار وثيقة فوق دستورية تكون ملزمة للجمعية التأسيسية التي سوف ينتخبها الشعب.

ودارت هذه الوثائق على محورين:

الأول: التلاعب بالمادة الثانية وإضعاف صياغتها أكثر، بل والتلاعب بالمادة الأولى والتهرب من الكلام على الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية.

الثاني: وهو كالرشوة للمجلس العسكري ليقبل تمرير المشروع بالمخالفة للإرادة الشعبية متمثلة في توسيع صلاحيات الجيش في الدستور.

وتبنى الدكتور "يحيى الجمل" هذه الفكرة ومن بعده الدكتور "علي السلمي"، وتحرك التيار الإسلامي وأحبط هذه المحاولة وكانت "مليونية 29-7-2011" التي ما زال صداها إلى الآن، ومن بعدها "مليونية 18-11-2011"، وأحبطت محاولة استيلاء العسكر والنخبة على الدستور بفضل الله -عز وجل-.

وثيقة الأزهر ومحاولة فصل الأزهر عن الأمة:

بعد ما يئست النخبة العالمانية من تمرير وثائقهم ذهبوا إلى الأزهر وانتزعوا منهم وثيقة وصفت بأنها استرشادية يتفق عليها الجميع لكي يتبنوها في الجمعية التأسيسية حال تكوينها، وكانت فيها صياغة المادة الثانية أيضًا صياغة أضعف مما هي عليه في دستور 71 حيث نصت على: "المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وان كان من مزاياها أن الوثيقة لم تقر "مصطلح الدولة المدنية" التي كانت تلك القوى تقاتل من أجل إقحامه في الدستور، ووافقت جميع القوى المشاركة، ومنها: "الدعوة السلفية" التي وافقت احترامًا للأزهر، ولكنها دونت أربع ملاحظات كان أهمها: أننا نريد أن نرتفع بصياغة المادة الثانية عما كانت عليه لا أن نرجع بها إلى الوراء، وهو ما انضم إليها فيه الجماعة الإسلامية.

إن "الدعوة السلفية" يوم فضلت أن تعبِّر عن موقفها بالقبول المتحفظ بدلاً من الرفض كانت تعي أنها لا يمكن في هذه المرحلة الحرجة أن تَرضى بفصل الأزهر عن الأمة أو فصل الأمة عن الأزهر، وظلت على مثابرتها في هذا الأمر حتى خرج "دستور 2012" بفضل الله -عز وجل- بتوقيع ثلة من كبار علماء الأزهر ومفكريه.

الانتخابات البرلمانية - الجمعية التأسيسية:

تمت الانتخابات البرلمانية وحاز فيها التيار الإسلامي على أغلبية، ووفق الإعلان الدستوري كان يمكنه أن يشكِّل جمعية تأسيسية كلها من الإسلاميين، ولكنه تنازل عن هذا ورضي بالمحاصة بحيث يكون لكل حزب في البرلمان حصة من المائة عضو تعادل نسبته في البرلمان "وهذا كرم لا تعرفه السياسة"، ولكنه لم يُقابل بالشكر؛ وإنما قوبل بالجحود والطعن على قرار البرلمان باختيار الجمعية التأسيسية أمام القضاء الإداري باعتباره قرارًا إداريًّا!

الصفحة السابقة الصفحة التالية