شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دستور الأمة أم دستور النخبة؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وهرع ممثلو الأحزاب العالمانية إلى الأزهر الذي تدخل لإقناعنا بالإبقاء على كلمة "مبادئ"؛ لأن لدى التيارات الأخرى تخوفات من حذفها، وبعد طول نقاش ولحرصنا على أن يظل الأزهر في قلب الصورة طالبنا في المقابل أن يضمن لنا الأزهر تفسيرًا لكلمة مبادئ غير تعريف "قطعي الثبوت والدلالة معًا" الذي اعتمدته المحكمة الدستورية في كثير من أحكامها.

ولما نمى إلى علم بعضهم هذا الاتفاق فرح به وطالب بإدراجه في متن المادة الثانية إلا أنه عاد في اليوم التالي فسحب هذا الاقتراح!

وكان من ضمن الاقتراحات المقدمة مادة تتحدث عن الأزهر، فتم اقتراح أن يضاف إليها أنه يجب الرجوع إليه فيما يخص الشريعة الإسلامية إلا أن الأحزاب العالمانية اعترضت بزعم أن هذا يجعل هيئة كبار العلماء فوق المحكمة الدستورية، وهذا يشبه نظام ولاية الفقيه في إيران فتم التوافق على جعل رأي الأزهر استشاريًّا فقط.

ومن المفيد هنا أن نفند هذه الشبهة من وجهين:

الأول: أننا لا نسلم مطلقًا بالشبه المزعوم حيث ولاية الفقيه الإيرانية ولاية دينية على الأفراد ثم هي ولاية دستورية عامة لها صلاحيات فوق أجهزة الدولة، في حين أن دور الأزهر المقترح هو مشابه للجان الخبراء التي تحيل عليهم المحاكم الأمور الفنية، وتلتزم برأيهم الفني في سياق نظر القضية ككل، وهكذا يلزم المحكمة الدستورية أو غيرها أن تلتزم عندما تبحث عن مدى موافقة قانون ما للشريعة بتقرير هيئة كبار العلماء.

الثاني: أن محاولة التنفير من فكرة ما أو مبدأ ما بأنه يشبه كذا... إنما هو نوع من قصور الحجة، فما من فكرة صحيحة إلا وتشبه بعض الأفكار الفاسدة في بعض الوجوه والواجب على المعترض على هذه الفكرة أن يبين ما له عليها من اعتراضات بدلاً من العدول إلى مثل هذه الحيل

وبعد أن انتهى الاتفاق على أن رأي الأزهر غير ملزم كان لابد من بحث عن تجويد للمادة الثانية فاقتُرح إضافة مادة جديدة تقول: "لا يجوز سن قانون يخالف الشريعة الإسلامية" ووافقت عليه القوى المدنية أولاً ثم عادت فنقضته.

وجاء الفرج أخيرًا باقتراح أن تقرر هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف تعريفًا لمبادئ الشريعة وترسله إلى الجمعية التأسيسية، وتدرجه كمادة جديدة في الدستور.

وأرسلت هيئة كبار العلماء التعريف التالي: "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية" فاقترحنا زيادة "ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة" فوافقت هيئة كبار العلماء، وصارت الصياغة النهائية للمادة التي أخذت رقم 219: "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة".

ومزية ذكر "المصادر" أنها مصطلح منضبط يشمل الكتاب والسنة والإجماع والقياس فضلاً عن مصادر أخرى ثانوية ، فهذه المادة تحيل إلى تلك المصادر مع التقيد بمذاهب أهل السنة والجماعة، وهذا فيما نرى يعد قدرًا كافيًا من تجويد تلك المادة.

وأما تفعيلها: فيحتاج إلى عمل برلماني شاق وإلا لو فعلت فورًا فسوف يلزم من هذا الإفراج الفوري عن جميع المجرمين الذين يعاقبون بعقوبات وضعية في ظل عدم وجود قوانين بديلة مستمدة من الشريعة.

ومِن ثَمَّ تم القبول بالمادة 222 والتي كانت تنص على أن ما مضى من قوانين يبقى صحيحًا ونافذًا فتم تعديلها إلى أنه يبقى نافذًا فقط دون وصفه بالصحة.

وأما المادة 67 التي أصبح نصها: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني أو دستوري"، فكان الغرض من إضافة كلمة دستوري هنا الدلالة على أن كل ما يخالف الشريعة فهو جريمة وإن لم يرتب القانون عليها عقوبة.

كان هذا هو ما بذل من جهد في جانب موقع الشريعة من الدستور متزامنًا مع جهود أخرى في سائر أبوابه مما هو خارج عن موضوع هذه الدراسة.

وبينما الجمعية التأسيسية تنهي أعمالها إذا بالكنيسة تعترض على المادة 219 المفسرة لمبادئ الشريعة والمادة 4 المحددة لدور الأزهر! وتتوالى بعدها الانسحابات من التيار العالماني...

وتخرج المظاهرات المحتضنة للطرف الثالث الذي خلع برقع الحياء، وصار يتحرك في وضح النهار وظهرت الحقيقة التي توقعها الجميع؛ "الطرف الثالث هم الفلول"، ولكنهم في هذه المرة عادوا في كنف الثوار "واحسرتاه!"؛ لكي يمنعوا الشعب من الاستفتاء على دستور وصفوه مرة بأنه دستور السلفيين وأخرى بأنه دستور الإخوان، وهو كما رأيت في هذا السياق من حيثية مرجعية الشريعة هو "دستور الأزهر".

ووقف الإسلاميون الذين طالما اُتهموا بالديكتاتورية ينادون القوم إلى صندوق الانتخابات فيرميهم الاشتراكيون والليبراليون والفلول بقنابل المولوتوف.

وهذا موقف قد نجلي لك بعض خلفياته في العدد القادم -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة