شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دستور الأمة أم دستور النخبة؟

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وهي سابقة أظنها سوف تُدرَّس في كتب التاريخ، والأعجب من ذلك أن المحكمة قبلت الطعن شكلاً وموضوعًا، وقضت بحل الجمعية التأسيسية.

وبينما كانت الجمعية التأسيسية الثانية في طور التشكيل كان هناك قضية أمام المحكمة الدستورية تطعن في دستورية البرلمان ذاته، وفي سابقة خطيرة من نوعها أيضًا كان قد سرب للجميع أن الحكم سيكون بحل البرلمان، وفي ذات الوقت ضغط المجلس العسكري بكل قوة قبل أن يسلم الرئاسة بأيام؛ لكي يتم توافق تم من خلاله منح "النخبة" مقاعد في التأسيسية تفوق نسبتهم داخل البرلمان وبالفعل تم لهم ذلك!

بعد تشكيل اللجنة التأسيسية تم الاتفاق على أن يكون التوافق مقدمًا فإن احتدم الخلاف يتم التصويت، فإن حازت المادة 67% اُعتمدت وإلا عادت للمناقشة بحثًا عن توافق ويعاد التصويت عليها وتعتمد في هذه المرة بنسبة 57% وإلا حذفت من الدستور، إلا أن المعسكر العالماني في التأسيسية أصر على عدم اللجوء إلى التصويت وإطالة المناقشات بحثًا عن التوافق الذي أمكن الوصول إليه في كل المواد قبل أن ينفجر التيار العالماني ويترك التأسيسية متترسًا بالفلول الذين أشاعوا الفوضى والاضطراب.

لقد حاول التيار الإسلامي أن يحتوي الآخرين؛ حتى لا يلجئهم إلى هذا الأسلوب، ولكنهم استثمروا حرص التيار الإسلامي على مصلحة البلاد وإدراكهم لحاجة البلاد إلى دستور بشكل غير مقبول بالمرة.

منهج عمل فريق "الدعوة السلفية" داخل التأسيسية:

نظرًا للظروف التي أشرنا إليها آنفًا ونتيجة لهذه التوازنات الكثيرة التي فرضت على الجمعية التأسيسية، ونتيجة لاختلاف سقف الطموحات بين الفصائل الإسلامية الممثلة في الجمعية التأسيسية بالإضافة إلى أهمية الحفاظ على مؤسسة الأزهر والتي كان يمارس عليها ضغوط شديدة من أجل إبداء مزيد من المرونة مع العالمانيين من أجل الحفاظ على استقرار مصر.

فمِن ثَمَّ تمثل منهج فريق عمل الدعوة السلفية في الآتي:

1- عرض المقترح الشرعي الخالص مع التمسك به قدر الإمكان، ونعني بالمقترح الشرعي الخالص هو المقترح المنضبط لفظًا ومعنى، والمستغني عن ذكر قيود من خارجه.

2- فإن لم يؤخذ به يتم المطالبة بإضافة قيود وتوضيحات في صلب الدستور في ذات المادة أو في غيرها.

3- خط الدفاع الأخير هو طرح هذه القيود على الجمعية التأسيسية وتدوين الإقرار بهذه الضوابط في المضابط، مع الأخذ في الاعتبار أن المضابط هي المرجع الأساسي في تفسير مواد الدستور "يراجع في ذلك حكم المحكمة الدستورية بدستورية حل المحافل البهائية".

وإليك بعض الأمثلة على تطبيق ذلك المنهج:

1- الديمقراطية والشورى:

تم طرح وضع كلمة الشورى بدلاً من كلمة الديمقراطية وبالطبع رفض هذا الاقتراح؛ لأن القوم متخوفون من أن يكون وراء الأمر تمرير للديكتاتورية بصورة أو بأخرى، فتم طرح إضافة الشورى إلى الديمقراطية مع فصلهما عما بعدهما بعلامة الترقيم "؛" لكي يعاملا معًا معاملة "العَلَم المركب".

وتم توضيح سبب التعديل وأدرج في المضابط أن الديمقراطية التي نسمح بها ديمقراطية لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً؛ هذا بالإضافة إلى المادة الثانية التي تعتبر في حد ذاتها قيدًا مستقلاً.

2- السيادة لله:

تم تقديم اقتراح بأن ينص الدستور على أن: "السيادة لله وقد جعلها للشعب في مراقبة الحاكم"، وتم رفض هذا الاقتراح متعللين بالتعليل الآتي: "إن الدستور عقد بين البشر لا سيما بين الحاكم والمحكومين، والمطلوب بيان سيادة الشعب على الدولة والحكومة، وأما سيادة الله على الجميع فخارجة عن موضوع الدستور من جهة وعلى فرض دخولها فيغني عن إعادة ذكرها المادة الثانية".

وهذا التفسير هو نوع من تقييد سيادة الشعب مما لا يجعلها منافية للشرع، وهو أمر لا تزول معه الشبهة إلا بمراجعة المضبطة، ولكن هذا ما تيسر.

3- ضبط الحريات:

تمت المطالبة أولاً بإضافة قيد عدم مخالفة الشرع في كل مواد الحريات، ولما تبرم البعض من ذلك تم الاكتفاء بمادة ضابطة واحدة تنص على ممارسة الحقوق والحريات بما لا يخالف مقومات الدولة المذكورة في باب المقومات الأساسية وهي تشمل الشريعة بالإضافة إلى العادات والتقاليد.

4- المساواة بين الرجل والمرأة:

كان نص هذه المادة في دستور 71: "المساواة بين الرجل والمرأة بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية".

ومع هذا أصر ممثلو الأحزاب العالمانية على حذف ضابط "بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية" زاعمين أن في الإصرار على تقييد هذه المادة رغم وجود المادة الثانية وما أضيف إليها من تفسير في المادة 219، أن في ذكر هذا القيد إيماء بأن الشريعة لم تأتِ بالمساواة.

وعلى أي فقد انتهى الأمر بحذف المادة نهائيًّا اكتفاءً بما تقرر من مواد أخر من عدم التمييز بين المواطنين، ولكن من باب توضيح هذه القضية نقول: إن الله أمر بالعدل لا سيما بين الرجل والمرأة في قوله -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) .

وهذا يعني أن كل حق أمامه واجب، وأما لفظ المساواة فيحتمل هذا المعنى الحسن ويحتمل أيضًا إلغاء الفوارق بين المختلفين لا سيما عندما يذكر في شأن المساواة بين الرجل والمرأة "في الغرب يدفع الطرف الأعلى دخلاً نفقة للطرف الآخر عند حدوث الطلاق وهذا على سبيل المثال"، ومِن ثَمَّ فإذا ذكر لفظ المساواة فلابد من القيد، وأما العدل فلا يحتاج إلى هذا القيد.

5- المادة الثانية:

حاجة هذه المادة إلى التجويد والتفعيل.

بيَّنا في فقرة سابقة حاجة هذه المادة إلى التجويد لا سيما بعد ما لحقها من تفسيرات متعسفة من المحكمة الدستورية فضلاً عن تفسيرات أخرى أشد تعسفًا بدأ الترويج لها، وبناءً عليه تقدمت "الدعوة السلفية" باقتراح تعديل نص المادة إلى "الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع" بينما مالت جماعة الإخوان إلى الإبقاء على نص المادة كما هو.

الصفحة السابقة الصفحة التالية