شبهات حول الدستور وأجوبتها (1)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قامت ما يسمى بـ"اللجان الشعبية للدفاع عن الثورة" بتوزيع منشور يدعو إلى رفض الدستور الجديد وعدم الموافقة عليه.
ومما يلاحظ أن هذا المنشور لم يقم على النهج العلمي الموضوعي الذي غرضه النصح والنقد البنَّاء، لكن اعتمد على المغالطات والتهكمات حيث سنرى في كثير من تلك الاعتراضات أن مجرد ذكر المادة بنصها سيكون ردًا كافيًا عليها.
- قالوا: "لا" لدستور سيؤدي لعنف وفوضى أكثر في البلد؛ لأن الجمعية التأسيسية تمت بشكل لم يرضَ عنه كثير من الناس، لكن لو قلت: "لا" ببساطة سننتخب كلنا جمعية تأسيسية جديدة بحريتنا من غير أي ضغوط أو سيطرة من أحد على الآخر، وهذا الذي قاله وتعهد به رئيس الجمهورية، وأيضًا سيكون عندنا وقت أطول لعمل الدستور.
والجواب:
إن اللجنة التي كَتبت الدستور تم اختيارها عن طريق الشعب الذي انتخب أعضاء البرلمان ليمثلوه وينوبوا عنه فهذه إرادة الشعب التي يجب احترامها، ورغم أن الدستور يُكتب بالأغلبية في كل دول العالم إلا أن التيار الإسلامي ومنه "الدعوة السلفية" قَبِل التنازل عن حقه في التواجد في لجنة كتابة الدستور بمقدار نسبته الحقيقية والتي هي أغلبية كفيلة باستئثار الإسلاميين وحدهم بحق صياغة وكتابة الدستور، فقبلوا -التوافق المزعوم-؛ رغبة للصالح العام وخروجًا بالبلاد من هذا المضيق الحرج، فالجمعية التأسيسية لكتابة الدستور اشتملت على كافة الأطياف الموجودة في المجتمع.
وبعد ستة أشهر من العمل وبمشاركة ممثلي الأحزاب العالمانية والكنيسة والأزهر، وبعد إعلان كل من: "السيد البدوي" رئيس حزب الوفد، ود."أيمن نور" زعيم حزب غد الثورة أن الدستور الجديد الذي يجري إعداده حاليًا سيكون الأفضل في تاريخ مصر منذ دستور عام 1923م - انسحبت الكنيسة وتلاها انسحاب الأحزاب العالمانية رغم أن كل المواد المختلف فيها قد حصل عليها توافق ووقَّع الجميع على ورقة التوافق! فكيف يُقال بعد ذلك: إن الجمعية التأسيسية تمت بشكل لا يرضي كثير من الناس؟! مع العلم أنه سبق انسحاب الكنيسة والليبراليين انسحاب بعض الشخصيات، ومع ذلك أكملت الجمعية عملها في كتابة الدستور بما فيها هؤلاء.
ثم إن الفوضى لا تحدث بسبب الدستور التي تم بالتوافق والرضا حتى إن "ممثل الكنيسة" قد قام بتوزيع "حلوى المولد" على أعضاء الجمعية بعد الاتفاق على صيغة مرضية للجميع في أهم المواد المختلف والمتنازع عليها، ومنها: "المادة الثانية وتفسيرها" - وإنما الفوضى تقع بسبب المخالفين الذين أصروا على التوافق المزعوم ووافقوا ووقعوا على كل المواد المختلف عليها ثم بعد ذلك انسحبوا وشنعوا بالزور على الجمعية والدستور.
وأما إذا قلنا لا للدستور وقمنا بانتخاب جمعية تأسيسية جديدة: فمن الذي يضمن رضا هؤلاء إذا أتت جموع الشعب بالإسلاميين لا نقول بأغلبية، بل ربما لم يوجد معهم غيرهم من هؤلاء! وهم الذين فعلوا ما فعلوا وأقاموا الدنيا رغم أن نسبة التيار الإسلامي كانت 50% فقط وهي أقل مما يستحقه.
وأما سيكون عندنا وقت أطول لعمل الدستور: فإن هذا الدستور استغرق وقتًا أطول من كثير من دساتير دول العالم، وبذلت فيه جهود هائلة لساعات طويلة عبر عدة أشهر لم يشاهد الشعب المصري منها سوى ليلتين فقط، فشاهدوا الجهد المتواصل لأعضاء الجمعية لمدة 22 ساعة متواصلة، في حين أن الذين صاغوا الدستور البديل صاغوه في عشرة أيام فقط، بل قال "علاء الأسواني": "نستطيع أن نعمل دستورًا في يومين فقط!".
ثم إن حالة البلاد لا تحتمل أكثر من ذلك... واستقرار مصر ضرورة من الضرورات، فلا يمكن أن تظل البلاد بلا دستور وبلا مؤسسات فترة طويلة فهذا قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي؛ فـ"نعم" للدستور هي التي ستجلب الاستقرار -إن شاء الله- ولتستكمل الدولة بناء مؤسساتها.
- قالوا: حفيد الهضيبي -المرشد السابق للإخوان- قال:
1- إن هذا الدستور سيسمح بمحاكمة المدنيين عسكريًّا، وسيجعل المؤسسة العسكرية دولة داخل الدولة وسيسمح بالفساد داخلها.
والجواب:
ابتداءً: إن كان حفيد المرشد السابق قال... فإن التيار الإسلامي بأسره -بما فيه مرشد الإخوان الحالي والإخوان- لا يرون صحة شيء مما ذكره، والجواب على ما ذكر:
1- إن هذا لا أساس له من الصحة، فمن مزايا الدستور الجديد أنه منع محاكمة المدنيين كمبدأ أمام المحاكم العسكرية، فبينما كانت محاكمة المدنيين عسكريًّا موجودة في دستور 71 نجد أن الدستور الجديد قصرها على الجرائم التي تضر بقواتنا المسلحة والتي سيحددها القانون الذي سيقوم بوضعه ممثلو الشعب حيث نصت المادة (198) منه على أن: "القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى... ".
ولا نرى في مواد الدستور ما يسمح بالفساد داخل المؤسسة العسكرية أو يجعلها دولة داخل الدولة، وإلا فأين ذلك؟! فها هي المادة (197) المتعلقة بالمؤسسة العسكرية "مجلس الدفاع الوطني" نصت على: "ينشأ مجلس للدفاع الوطني يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويضم في عضويته رئيس مجلس الوزراء ورئيسي مجلسي النواب والشورى ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية ورئيس المخابرات العامة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، ويختص بالنظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى، ولرئيس الجمهورية أن يدعو من يشاء من المختصين والخبراء لحضور اجتماعات المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود".
أفلا يكفي كل هذا لتحقيق الرقابة على تلك المؤسسة، ومنع إمكانية كونها دولة داخل الدولة أو السماح بالفساد داخلها؟!