شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حوار مع رافضي الدستور

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ضرب "الشعب المصري" مثالاً رائعًا للرقي في الجولة الأولى من الاستفتاء على الدستور، ونحن في انتظار اكتمال الملحمة في محافظات المرحلة الثانية.

مما يستوجب معه أن نتوجه بالشكر لهذا "الشعب المصري" الذي استجاب لجهود بذلناها على كل الأصعدة لنصل إلى تلك المحطة الحاسمة التي سيقول الشعب فيها كلمته.

لقد أجبر "الشعب المصري" من قال: "على جثثنا أن يتم الاستفتاء" على الرضوخ والرضا بالاحتكام إلى الشعب.

هذا الشعب الذي وصفه مَن وصفه بأن نصفه أميون يجب ألا يؤخذ رأيهم في الاستفتاء والنصف الثاني يبيع ضميره من أجل زجاجة زيت وكيس سكر - إذا تجولت بين تجمعاته الشبابية والريفية والعمالية فسوف تجد حوارًا سلميًّا هادئًا حول مزايا وعيوب كل اختيار سواء كان "نعم" أم "لا".

ونحن إذ ندعو جميع المصريين إلى التصويت بـ"نعم" نساهم في هذا الحوار المجتمعي بتلك الأسئلة التي نرجو أن تكون حاضرة في كل حوار بيْن مؤيدي "نعم" ومؤيدي "لا".

وبداية نشير إلى أن من يرفض الدستور قد بنى موقفه إما لرفضه أحد القضايا الكلية في الدستور وإما أنه رافض لصياغة بعض المواد اعتقادًا منه أنها لا تفي بالمطلوب.

الرافضون للدستور من أجل اختلافهم معه في قضايا جوهرية:

- من يعترض على مواد الهوية الإسلامية مثل: "بعض النصارى والعالمانيين" كما صرحت الكنيسة باعتراضها على المسحة الإسلامية الزائدة عن الحد من وجهة نظرهم وهي المتمثلة في المادة (4) الخاصة بالأزهر، والمادة (219) الخاصة بتفسير مبادئ الشريعة الإسلامية مع أن الدستور الجديد قد استحدث مادة خاصة بتحاكم النصارى واليهود إلى شرائعهم!

ومن هؤلاء من يطالب بإقامة دور عبادة لغير الأديان السماوية مثل د. "البرادعي" الذي عدَّ هذا أبشع أخطاء الدستور من وجهة نظره، وطالب بحرية إقامة المعابد البوذية والمحافل البهائية!

- من يعترض على مادة "العزل السياسي" مع أنها اكتفت بعزل كبار رموز الحزب الوطني المنحل وفتحت الباب أمام الباقي ليدخلوا باب العمل السياسي على أرضية شعبية نظيفة؛ فماذا كان يمكن أن يُفعل أكثر من هذا؟!

ومِن ثَمَّ فإن المتضررين من هذه المادة وأنصارهم سوف يرفضون الدستور ولو كانت بقية مواده بالنسبة لهم مثالية!

- من يصور الأمر على أنه صراع بين الجيش والشعب زاعمًا أن الدستور انحاز إلى الجيش رغم ما تضمنه من مناقشة ميزانيته -بما لا يخل بالأمن القومي المصري-، وما تضمنه من عدم السماح بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية إلا في الجرائم التي تعود بالضرر على القوات المسلحة.

وربما ظن بعضهم أن الأمر جلل لمجرد "اشتراط الدستور كون وزير الدفاع من أبناء المؤسسة العسكرية" متناسيًا أن هذا الأمر من أسس الجيش المصري، ولم يسبب يومًا ما أزمة لأحد فضلاً عن أن تغييره ونحن في أول سلم التحول الديمقراطي في غاية الخطورة.

الرافضون للدستور من أجل اختلافهم معه في قضايا تفصيلية:

ومعظم هؤلاء هم في حقيقة أمرهم ممن يختلفون مع الدستور في بعض اتجاهاته الكلية، ولكنهم رأوا أن مجموع المعترضين على النقاط السابق ذكرها لن يرقى إلى الأغلبية، بل ولن يكون أقلية مؤثرة فبحث عن تفاصيل هي في واقع الأمر لا ترقى لرفض دستور لبلد تعاني فراغًا دستوريًّا وشللاً مؤسسيًّا لا نملك معه رفاهية الجدال في هذه الفروع؛ لا سيما والإعلان الدستوري الصادر في "30-3-2011" قد ضرب آجالاً لإعداد الدستور تم استنفاذها جميعًا.

وهذا ما يدفعنا إلى أن نطرح على كل مطلع على كلامهم هذه الأسئلة:

س: هل الدستور موضع للأمور التفصيلية أم أنه ينص على القواعد الإجمالية؟

ج: الدستور يذكر القواعد الكلية ويترك التفصيل للقوانين لا سيما وأن التفاصيل مرشحة للتغير بدرجة أعلى من الكليات؛ ولذلك جُعل الدستور للكليات، والقانون للجزئيات. ويبقى أن تسأل نفسك هذا السؤال:

س: هل توجد قاعدة كلية في الدستور لم تعجبك؟

ج: باستثناء ما ذكرناه في أول المقال فلا نكاد نجد أحدًا يتكلم عن قاعدة كلية.

س: من سيضع هذه القوانين؟

ج: إن القانون سيكتب بواسطة نواب الشعب المنتخبين، وهم بحكم ذلك سوف يلبون طلبات الشعب وإلا فسوف يسقطهم، وهذه قاعدة عامة سواء كانت الأغلبية من الإسلاميين أو من غيرهم، وإذا كان البعض يتصور أن الشعب سوف يختار نوابًا له يتواطئون عليه فخير له ألا يتحدث في دستور ولا قانون أصلاً وليتركنا نعيش في فوضى -"البعض يريدها بالفعل كذلك!"-.

لابد لنا من الثقة في قدرتنا على الاختيار والثقة في قدرتنا على تصحيح الاختيار، وأما إيقاف عجلة المجتمع خوفًا من وهم يتوهمه بعضهم ودون أن يقدم حلاً للخروج من هذه الأوهام فأمر غير مستساغ بأي حال من الأحوال.

س: هل عرفت معنى ومغزى عبارة "وينظمه القانون" التي تُكرر في كل الدساتير كثيرًا؟

ج: هي باختصار تعني أن الجمعية التأسيسية ومِن بعدها المصوتين على الدستور بـ"نعم" قد قرروا القاعدة العامة، وتركوا كامل الحرية لنواب الشعب للحوار والنقاش والدراسة والتوافق حول التفاصيل.

مثال: قرر الدستور قاعدة عامة وهي: "لا يجوز محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية إلا في الجرائم التي تعود بالضرر على القوات المسلحة، وترك للقانون تفصيل هذه الجرائم"؛ وهو بذلك قد أغلق الباب تمامًا أمام البرلمان في تشريع قوانين تسمح بمحاكمة المعارضين أمام القضاء العسكري -"الذي كان من أبرز انحرافات العهد السابق في هذه القضية"- وترك للمجتمع والبرلمان فرصة للنقاش حول طبيعة الجرائم التي تمثِّل ضررًا على القوات المسلحة.

ومن تابع مناقشات الجمعية التأسيسية يجد أن البعض طالب بذكر المواقع العسكرية والبعض طالب بإضافة المصانع الحربية، وطالب آخرون بالتفرقة بين المصانع الحربية التي تنتج معدات عسكرية وبين المصانع الحربية التي تنتج منتجات غير عسكرية، ومِن ثَمَّ تم الاتفاق على ذكر القاعدة المجملة وترك هذه المناقشة للقانون.

الصفحة التالية