شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حوار مع رافضي الدستور

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

مثال: قرر الدستور قاعدة: "لا يجوز فرض أي عمل جبرًا إلا بمقتضى قانون"؛ من أجل المحافظة على دستورية قانون التجنيد الإجباري، والواقع أن القانون المصري الحالي لا يفرض عملاً إلا في حالة التجنيد الإجباري، ولا يستطيع أي برلمان قادم أن يقرر أي شيء زائد على ذلك.

س: هل عرفت معنى عبارة "بحكم قضائي"؟

ج: سوف تجد هذه العبارة في بعض الأمور مثل: "لا يجوز إغلاق الصحف والقنوات إلا بحكم قضائي"، وهذا يعني وجود قانون يقر عقوبة الإغلاق -"من الوارد ألا يستخدم البرلمان هذا الحق"-، ولكن الواقع الحالي أن القانون الحالي يقر هذه العقوبة في حالة التجاوز في حق الأفراد والتشهير بهم بلا بينة.

وبالإضافة لوجود القانون فإن السلطة التنفيذية لا يحق لها أن تطبق هي القانون، وإنما يلجأ المتضرر -ولو كان المتضرر هو الحكومة ذاتها- إلى القضاء ليقضي له بالإغلاق، وحينئذ تُنفذ السلطة التنفيذية هذا الحكم.

وقد طـُبق هذا في حق برنامج الشيخ "خالد عبد الله" على قناة الناس وهلل له الإعلاميون وقتها كثيرًا؛ فلماذا ينكرونه الآن؟!

وسؤال هام: هل يوجد بالفعل دستور يمكن أن يوافق عليه 80% من المصريين؟

إذا استصحبنا أن أعضاء الحزب الوطني المنحل وكانوا حوالي 2 مليونًا بالإضافة إلى أُسرهم، والنصارى وقد صرحوا أنهم لن يوافقوا على دستور فيه ذكر للشريعة أكثر من المادة الثانية وبذات نصها، ومِن ثَمَّ يعترضون على المادة (4) الخاصة بالأزهر، والمادة (81) الخاصة بضبط الحريات بتقاليد المجتمع، والمادة (219) المفسرة للشريعة الإسلامية.

وهذه المواد تمثِّل الحد الأدنى عند التيارات الإسلامية وكتلتها الانتخابية معروفة، ولا سيما وأن بعض الإسلاميين يعترضون على المشروع الحالي؛ لأنهم يريدون ذكر الشريعة بأوضح مما هو مذكور.

فالمعترضون غير منحصرين في دعاة الدولة المدنية (العالمانية) كما يحلو للبعض أن يصور، ثم إن دعاة الدولة المدنية منقسمون، فالليبراليون لا يريدون ربط الأجور بشيء، بل تركها للعرض والطلب والاشتراكيون يريدون ربط الأجور بالأسعار، والإسلاميون وسط بين هذا وذاك ويريدون ربط الأجر بالإنتاج -والمقصود به هنا تقدير العلاوة السنوية-.

وعلى صعيد آخر يريد الإسلاميون النص على أن مصر جزء من الأمة العربية والإسلامية كما هو في المشروع الحالي، والقوميون يريدونها جزءًا من الأمة العربية فقط، والليبراليون وكثير من النصارى يريدون ذكر مصر دون ذكر لا الانتماء العربي ولا الإسلامي مثل دستور (54)، وبعضهم يريد ذكر الانتماء الأفريقي! إذن فمن الصعب جدًّا أن يوجد دستور يوافق عليه 70% أو80% من المصريين.

والأكثر من ذلك أن المواد الخلافية في الدستور لو عرضت في استفتاء خاص لما حازت 20%، فمثلاً: ماذا لو عرضت إلغاء مادة العزل في استفتاء؟

الإجابة: سيوافق على ذلك حوالي 20% فقط من مجموع 43% الذين صوتوا بـ"لا" -إذا افترضنا أن النسبة لن تتغير في المرحلة الثانية-؛ لأن باقي من رفض الدستور يوافقون على تلك المادة وإنما رفضوا المشروع من أجل مادة أخرى.

مثال: لو عرضنا إلغاء محاكمة المدني أمام محاكم عسكرية في حالة تضرر القوات المسلحة؟ فلن يوافق على ذلك 57% من الذين قالوا: "نعم"، ولا المنتمين للحزب الوطني ولا معظم اليساريين -الذين ولدت على أيديهم المحاكمات العسكرية أصلاً-، ولن يوافق على ذلك إلا الليبراليون، فإن ادعى مدعٍ أن وجود مشروع دستور يحظى بهذه الدرجة من القبول؛ قلنا له: أخرجه لنا -بارك الله فيك-.

وكيف يمكن لعاقل أن يرفض دستورًا يحافظ على رضا الموافقين وفي ذات الوقت يضيف شرائح من المعترضين حتى ترتفع النسبة إلى 70% أو80%؟!

وأما إذا كان سيرضى 43% -إذا افترضنا وجود شيء واحد يرضيهم- عن طريق إسخاط الـ57% فهذا له عنوان واحد وهو "ديكتاتورية الأقلية"!

ملاحظة:

يدعي البعض أن هذا الدستور كان يمكن أن يصل إلى 75% تقريبًا إذا ما حذفت منه مادة "العزل السياسي" حيث كانت المواجهة حينئذٍ ستنحصر بين أنصار التيار الإسلامي وأنصار التيار العالماني، ومِن ثَمَّ كان هذا الاستفتاء سيكون نسخة من استفتاء 19 مارس، وأما الآن فقد تحالف العالمانيون الثوريون مع الفلول التي قامت الثورة على حزبهم!

وبل ويدعي البعض أن هذه النسبة مرشحة للزيادة لو أن الدستور نص على انتخابات رئاسية مبكرة.

ويدعي البعض أنه لو حذفت هاتان المادتان لما وُجد معترض غير الكنيسة -اعتراضًا منها على مواد الهوية-، بل أكثر من هذا توقـُّع أحد الباحثين أن التيار العالماني كان يمكن أن يقنع الكنيسة بالتصويت بالموافقة أو على الأقل يتركها وحيدة، ولكن الجمعية التأسيسية لم ترضَ بتلك المقايضات؛ فالعزل كان مطلبًا ثوريًّا وسُنَّ له قانون إلا أن المحكمة الدستورية قد حكمت بعدم دستوريته مما يعني الحاجة إلى وضع أسس له في الدستور.

وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة معناها مزيد من المراحل الانتقالية وإغفال أصوات الناخبين الذين انتخبوا رئيسًا لمدة أربع سنوات بنص الإعلان الدستوري في "30 مارس -2011".

س: فلنسهل عليهم المسألة ونقول لهم: لماذا لا تُخرجون لنا وثيقة بكل المواد المنتقدة والصياغة التي تتوافق عليها "جبهة الإنقاذ الوطني" -مثلاً- مع أنها لا تمثل كل المعترضين؛ لنرى البديل السالم من المعارضة الذي يطرحونه؟!

ج: لن تجد إجابة؛ لأن بعض المواد التي ينتقدونها لن يجدوا صياغة أخرى لها أفضل من الموجودة، فعندما ينص الدستور على حق المواطن في التعليم عالي الجودة وأنه مجاني في كل مراحله في كل مؤسسات الدولة، ثم يعترض عليها؛ فهل يمكن لهم أن يصوغوا لنا مادة تجبر المدارس الخاصة أن تكون مجانية -لو افترضنا أن أحدًا طار عقله ففعل هذا فأفضل أحوال هذا القرار أن سيؤول فور إعداد الدستور إلى إغلاق جميع المدارس الخاصة؛ لأنه لا يتصور أن يستثمر أحد في نشاط مجاني-؟!

إذن... فهل سيقترحون علينا مادة تشرح خطة تطوير التعليم مثلاً؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية