شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعوة إلى الله بين الرفق والشدة (1)

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الناظر في الشرع الشريف يرى أن خلق الرحمة والرفق واللين كان هو الأصل في منهج الأنبياء -عليهم صلوات وسلامه- في دعوتهم إلى الله -تعالى- ومعاملتهم مع الخلق، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا رَعَى الغَنَمَ ) فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ) (رواه البخاري) ، فكان رعي الأنبياء للغنم ليحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم وسياستها بشرع الله -تعالى-، مع في مخالطتها من حصول الحلم والشفقة منهم على الناس.

وقد بيَّن الله -عز وجل- لنا في كتابه الكريم وكذا النبي -صلى الله عليه وسلم- في سنته وسيرته الشريفة كيف أن الدعوة إلى الله لابد أن تكون برفق وشفقة، بل وخوف على الناس من عدم الإيمان واتباع الوحي المنزل.

فهذا مؤمن آل فرعون يقول في دعوته لقومه: ( يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ . وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ) (غافر:30-32) ، فأظهر لهم مشاعره الصادقة وخوفه الحقيقي عليهم.

وهذا الخليل إبراهيم -عليه السلام- قال الله عنه: ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) (مريم:42) ، فناداه بقوله: ( يا أبتِ )؛ ليذكره بالعلاقة التي بينهما والتي تقتضي كمال الشفقة، وهذا استمالة لقلبه وترغيبًا له في الإيمان.

وقد أمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- بإلانة القول لفرعون استمالة لقلبه لدعوة الحق، فقال -تعالى-: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:43-44) .

وامتدح الله النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران:159) ، وقال -عز وجل-: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) .

وبلغ من شفقته -صلى الله عليه وسلم- وحرصه على هداية الناس أن كادت نفسه الشريفة أن تتلف حزنًا على مَن ضل ولم يؤمن حتى واساه الله بقوله: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) (فاطر:8) .

وأمر الله -تعالى- أن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، بل أمرنا الله -تعالى- بإحسان القول إلى كل الناس -فكيف في مقام الدعوة إليه؟!- فقال -تعالى-: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (البقرة:83) ، فدخل في ذلك حتى الكفار، بل قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لَوْ قَالَ لِي فِرْعَوْنُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، قُلْتُ: وَفِيكَ، وَفِرْعَوْنُ قَدْ مات" (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) . وقال أيضًا: "لَوْ قَالَ لِي فِرْعَوْنُ خَيْرًا لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ" (رواه ابن أبي الدنيا في الصمت) .

وإن المتأمل في خلقه -صلى الله عليه وسلم- ورفقه ولينه في دعوته يجد عجبًا... ! ومن ذلك: طريقته مع الأعرابي الذي تبول في مسجده الشريف وهم به الصحابة فما كان منه -عليه الصلاة والسلام- إلا أن قال: ( دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ) (متفق عليه) ، وآخر يجذبه بشدة وغلظة يطلب منه عطاءً فيضحك -صلى الله عليه وسلم- ويأمر له بعطاء رغم نكارة ما فعله الأعرابي، وثالث يشهر عليه السيف فيعفو عنه -صلى الله عليه وسلم-، وغير ذلك كثير...

فما أوسع صدره وما أعظم حلمه وشفقته وإحسانه إلى الناس -صلى الله عليه وسلم-! فقد كان يعطي العطاء حتى يخرج من عنده الرجل ينادي في قومه: "يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخَافُ الْفَقْرَ " (رواه مسلم وابن حبان واللفظ له) .

بل لما دخل عليه يهود وقالوا: السَّام عَلَيْكَ. ما زاد على أن قَالَ: ( وَعَلَيْكُمْ ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عليكِ بالرِّفق وإِياك والعنفَ والفُحْشَ ). قَالَت: أَو لم تسمع مَا قَالُوا؟ قَالَ: ( أَو لم تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ ) (متفق عليه) .

فدل ذلك على أن الأصل في كل معاملات المسلم استعمال الرفق وحسن الخلق؛ خصوصًا في باب الدعوة إلى الله وإنكار المنكر، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللِّعَانِ، وَلا الْبَذِيءِ، وَلا الْفَاحِشِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: (لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاحِشًا، وَلاَ لَعَّانًا، وَلاَ سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ" (رواه البخاري) .

الصفحة التالية