الدعوة إلى الله بين الرفق والشدة (1)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
وقد يتصور البعض أن كونه على الحق فيما يدعو إليه من معروف أو فيما ينكره من منكر يسوِّغ له التغليظ على الناس والكلام فيهم بما يشتهي رغم أن هذا السلوك قد يؤدي إلى تنفيرهم ومزيد بعدهم عن الحق فيكون متسببًا في ذلك مستحقًا لوعيد الله: ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل:94) ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ) (متفق عليه) ، وقال لمعاذ -رضي الله عنه-: ( أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟! )؛ وذلك لما أطال الصلاة فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلاَةً خَفِيفَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا البَارِحَةَ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ، فَتَجَوَّزْتُ، فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ -ثَلاَثًا-؟! اقْرَأْ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَنَحْوَهَا ) (متفق عليه) .
قال فضيلة الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-: "بعض الناس يعتبر أن الانتصار للحق والغيرة عليه تبيح له أن يستعمل ألفاظًا لا تليق حتى لو كانت حقًا، حتى لو كان هذا الشخص يستحق السباب بألفاظ معينة لكن غيرتك على الحق لا تسوِّغ لك أن تستعمل ما لا يليق بك أنت من الألفاظ السوقية... فهذا تنفير لهؤلاء الناس من أن يتوبوا أو يئوبوا إلى ربهم -سبحانه وتعالى-".
فمتى كان بوسع الداعي إلى الله استعمال الرفق والعدول عن الشدة فعل؛ فإن الرفق لا يأتي إلا بخير، إلا أن مبدأ الرفق واللين في الدعوة ليس قاعدة مضطردة لا يُخرج عنها بحال، بل قد وجدت بعض صور الشدة في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن دون خروج عن حد الأدب والخلق الحسن؛ إذ لا علاقة بحال بين استعمال الشدة -عند الحاجة إليها- وبين استعمال الكلام الفاحش والألفاظ المبتذلة والسوقية دون حاجة شرعية تدعو إلى ذلك.
فقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على أبي السنابل لما قال لسُبَيْعَة بنت الحارث -وقد وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة-: كَأَنَّكِ تُحَدِّثِينَ نَفْسَكِ بِالْبَاءَةِ؟ مَا لَكِ ذَلِكَ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَبْعَدُ الأَجَلَيْنِ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ، إِذَا أَتَاكِ أَحَدٌ تَرْضَيْنَهُ فَائتِينِي بِهِ ) (رواه أحمد وصححه الألباني، وأصله في الصحيحين) ، وهذا تغليظ من النبي -صلى الله عليه وسلم- على أبي السنابل -رضي الله عنه- الذي أفتى بهذا دون بينة.
وقال -صلى الله عليه وسلم- لمن قال له: "مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ": ( أَجَعَلْتَنِي وَاللَّهَ عَدْلاً، بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وقال لثالث: ( بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ ) لمن خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوِيَ ) (رواه مسلم) .
وهذه الصور التي استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها الشدة أحيانًا -سواء المذكورة ها هنا أو غيرها- كانت تتعلق بحق الله -سبحانه- وحرماته أو شريعته من تقوُّل بغير علم أو غلو في الدين ونحو ذلك... مع أمن المفسدة في استعمال الشدة في هذه الوقائع، أما إذا كان الأمر متعلقًا بشخصه الشريف -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان أبعد الناس عن الانتقام لنفسه كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ" (متفق عليه) .
فاستعمال الشدة في الدعوة وفي الإنكار على المسيء والخاطئ تدور على المصلحة وجودًا وعدمًا فإن كانت الشدة -إن احتيج إليها- تؤدي إلى زيادة الابتعاد عن الالتزام بالحق واتباعه لم يكن فيها مصلحة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هجر كعبًا بن مالك وصاحبيه -رضي الله عنهم-؛ لما في ذلك من المصلحة، وأما من عُلم مِن حاله أو غلب على الظن أن هجرته ومقاطعته لا تنفعه، بل ربما ضرته فلا تشرع حينئذٍ هجرته، والله -عز وجل- نهى عن سب آلهة المشركين -وإن كان في ذلك مصلحة إظهار عجزها وبيان عوارها- لما كانت تؤدي لاجتراء المشركين على سب الله -تبارك وتعالى-.
ومن هذا الباب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لقريش إذ اشتدوا عليه: ( لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، فكان لكلمته عليهم أثرًا عظيمًا في انزجارهم وكفهم عنه، في حين أنه الذي قال -صلى الله عليه وسلم- لمن استأذن عليه: ( ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ العَشِيرَةِ ) (متفق عليه) ، فلما دخل عليه ألان له القول وانبسط إليه -وهذا أيضًا للمصلحة شفقة على الرجل لعدم نفرته ومزيد غوايته-.