الدعوة إلى الله بين الرفق والشدة (1)
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
قال ابن القيم -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ) (النحل:125) : "جعل -سبحانه- مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق؛ فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعانِد الحق ولا يأباه يُدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يُدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن. هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية... " (مفتاح دار السعادة) .
والحكمة ليست هي الرفق دائمًا؛ فلربما كانت الشدة والحزم أحيانًا هي الحكمة التي ينبغي أن نتعامل بها، لكن بميزان المصلحة الشرعية في ذلك، فينبغي إذن على الداعي إلى الله -تعالى-، بل على كل مسلم أن يضع اللين في محله والشدة في محلها، وإلا وقع فساد عظيم وشر مستطير.
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى
وأما تسويغ الشدة والعنف بالغيرة على الحق وعلى الدين، فيقال لهؤلاء: أأنتم أغير من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد علمتم سنته وطريقته؟!
وهذه وصية الشيخ ابن باز... قال -رحمه الله-: "قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ) (رواه مسلم) ، ولا سيما في هذا العصر، هذا العصر عصر الرفق والصبر والحكمة، وليس عصر الشدة، الناس أكثرهم في جهل، في غفلة وإيثار للدنيا، فلابد من الصبر، ولابد من الرفق حتى تصل الدعوة، وحتى يبلَّغ الناس وحتى يُعلَّموا، ونسأل الله للجميع الهداية" (مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله- 8/376) .
وبنحو هذا الذي ذكره الشيخ ابن باز -رحمه الله- كانت هذه الفتوى الطيبة لـ د."ياسر برهامي" على موقع صوت السلف، والتي بعنوان:
كيف نتعامل مع الطاعنين في التيار الإسلامي؟
السؤال:
ما الفرق بين التساهل والتسامح، ففي الآونة الأخيرة يُكال السباب والطعن لرموز التيار الإسلامي، ولما نرد بأقل بكثير مما يقال يدون علينا: أهذا هو الإسلام؟! فمتى نظهر القوة والرد الغليظ حتى يرتدع مَن يكيلون لنا السباب، ويعلنون محاولاتهم إسقاط التيار الإسلامي من الإخوان والسلفيين؟ ومتى نعمل الآية: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة:73) ؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- احتمل مِن ابن سلول أضعاف ما نسمعه عنا؛ رعاية للمصلحة، و-بحمد الله- لم يتأثر التيار الإسلامي بما يُكال له مِن تهم، ولا بد للبذرة أن تنمو نموًا طبيعيًا حتى تصبح شجرة، وليس بين يوم وليلة. ولا شك أن البعض منا يستعمل الغلظة -أحيانًا- حسب ما يراه مناسبًا، والبعض يستعمل اللين، وعمومًا نرى أن وقتنا الحاضر الرفق فيه أولى" (انتهى) .
وللحديث بقية -إن شاء الله- في الجزء الثاني من هذه المقالة في تفنيد ورد شبهات السالكين مسلك العنف والشدة ووحشي الألفاظ في الدعوة إلى الله...