شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ويسبح الرعد بحمده

إيهاب الشريف • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمقالنا هذه المرة شتوي النكهة، يتناسب مع ما نراه هذه الأيام من مطر ورياح وبرق ورعد، هذا وإن المسلم له فيما حوله وما يمر به من أحوال وأحداث عبر وعظات، ومن ذلك تفاعله مع أحداث فصل الشتاء.

وأما عنوان المقال فجزء من آية في سورة الرعد سميت بمظهر من مظاهر الشتاء وهي: ظاهرة الرعد، أو لنقل: آية الرعد، فهي حقًا آية من آيات الله الكونية ربما لم ينتبه لها الكثيرون، والله -عز وجل- في هذه الآية قد ساق عدة آيات نراها من حولنا وهي: "البرق - السحاب - الرعد - الصواعق".

وحال المؤمن تجاهها يختلف عن حال غيره من الكافرين، بل وكثير من الغافلين من المسلمين، ففي حين نجد أهل الغفلة يقلدون الكفرة في جعل هذه الظواهر إحدى معالم فصل الشتاء ويفسرونها تفسيرًا طبيعيًّا محضًا، نجد للربانيين شأنًا آخر معها، فلا مانع من اعتبار قوانين الحر والبرد وحركة الرياح والضغط والطقس وما سوى ذلك، لكن مع ربط هذا كله بقدرة الله -عز وجل- والتعليق على مشيئته -سبحانه-؛ إذ لا يكون شيء في الكون إلا بإذنه -سبحانه-.

وإن هذه الظواهر من برق ورعد وسحاب وصواعق لها رب قدرها تسمع له وتطيع، بل وتسبح بحمده، كما قال في الآية الأخرى: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (الإسراء:44) ، فالبرق يرسله الله -عز وجل- خوفًا وطمعًا، خوفًا من أضراره وآثاره على الزرع والثمار والقرى والديار، وطمعًا في خيره ونفعه، وبقدرته وحده تتكون السحب المثقلة بالماء ويسوقها -سبحانه- حيث شاء وإلى مَن شاء من البلاد والعباد.

ثم إن البعض يشكر والبعض الآخر يكفر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ) (متفق عليه) .

أرأيتم الارتباط بين الآيات الكونية والشرعية؟ أَوَضِح لنا أن توحيد الربوبية يدل ويقود إلى توحيد الألوهية؟!

ثم هناك من العباد والدواب من ينتفع بهذا المطر، وكم فيهم من الحامدين الشاكرين لله -عز وجل-، وكم فيهم ممن يستعين بنعم الله على طاعته -سبحانه-، وكم في المطر ومعه من الخيرات والبركات والرحمات، فهو آية كونية من ورائها اختبار وابتلاء شرعي للعباد مَن منهم يشكر ومن منهم يكفر بنعمة ربه -عز وجل-.

ومِن وظائف المسلم مع آية المطر بعد نسبة نزوله إلى الله وحده: أن يكثر من الدعاء عند نزوله؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدُّعاءِ عندَ الْتقاءِ الجُيُوشِ، وإِقامَةِ الصّلاةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ ) (أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي في المعرفة، وصححه الألباني) . وأن يقول أيضًا: ( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا ) (رواه البخاري) ، وأن يقول: ( مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ ).

وإذا كان غزيرًا وخاف ضرره قال: ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ) (متفق عليه) ، الآكام: الهضاب، والظراب: الروابي الصغار، وله أن يحسر ثوبه ليصيب شيئًا من جسده؛ لأنه حديث عهد بربه كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وأما الرعد: فهو ذلك الصوت الذي يُسمع من تحريك السحاب وسوقه، وهو بلا شك عندما يشتد قد يخيف البعض، لكنه مع ذلك من مخلوقات الله ويسبح بحمده، وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق يقول: ( اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الشيخ أحمد شاكر) . ويروى عن على -رضي الله عنه- أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: "سبحان مَن سبحت له" وروي كذلك عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد.

وكان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: "سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لأَهْلِ الأَرْضِ" (رواه الإمام مالك والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .

فهل نتفاعل مع هذه الآية ونحن أصحاب التقصير والتفريط مثل ما تفاعل هؤلاء الأفاضل أصحاب البذل والعطاء والجهاد في سبيل الله أم نستمر في غفلتنا؟

وهل نحن في مأمن أن تتحول تلك الظواهر إلى ما بعدها... كما في الآية نفسها: ( وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ) (الرعد:13) ؟!

وقد أصابت بالفعل بعض الكافرين الجاحدين، كما ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن الآية نزلت في ذلك الفاجر، فقد روي عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: بعث رسول الله رجلاً مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له: من رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذهب هو أم من فضة هو أم من نحاس هو؟ قال: فرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا، فقال لي: ارجع إليه الثانية فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك فقال: ارجع إليه فادعه فرجع إليه الثالثة، فقال: فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله -عز وجل- سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله -عز وجل- ويرسل الصواعق.

بل يذكر بعض الدعاة أن راعي غنم جاء إلى قاض شرعي يطلب من المحكمة تعويضًا؛ لأن صاعقة نزلت من السماء فأحرقت سبعمائة رأس فقال له القاضي: لعلك لا تخرج زكاتها؟ فطأطأ الرجل رأسه ثم انصرف!

فهل نعطي هذه الآية حقها خوفًا ورهبة؟!

الصفحة التالية