ويسبح الرعد بحمده
إيهاب الشريف • التزكية
هل تذكرنا بالله -تعالى- وأنه القوي الذي لا غالب له، وأن صاعقة واحدة تكفي -بإذن الله- لتغيير الكثير من الموازين، وأنه لا طاقة لأحدنا على حرب الله -تعالى- ومعاندة شرعه، وأنه لا انفصال بين الأرض والسماء، وأن الأرض لا ولن تشرع للسماء؟!
وهل يعرف العباد قدرهم ويقفون عند حدهم؟ وأين تكون مجادلتهم وأصواتهم مع أصوات الرعد وأنوار البرق وإحراق الصواعق؟
ألم تر أن الآيات بعد ذكر هذه الظواهر الكونية: ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ) قالت: ( وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ )، في هول البرق والرعد والصواعق، وفى زحمة تسبيح الخلائق بحمد الله -تعالى- ومن خيفته وزمجرة العواصف بغضبه... في هذا الهول ترتفع تلك الأصوات البشرية بالجدل في الله -تعالى- خالق هذه الآيات... والطعن في شرع مَن هو شديد المحال!
أما تُنبهكم هذه الآيات أن الأمر لله وحده، وأن الكون خلقه ويجب أن يحكم بشرعه، وألا طاقة لكم بمعاداته وحربه؟! أما تخافون أن يهلككم الله كما أهلك من سبقكم ممن جادل وحارب؟!
وإذا كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو سيد الخلق وحبيب الحق يخشى عند مجيء الرعد؛ يخشى أن تأتي بعذاب من الله فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ، فَقَالَ: ( يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) (متفق عليه) .
بأبي هو وأمي رسول الله ومصطفاه! قد بلغ الخوف في قلبه من ربه منتهاه! هل تأملته أخي وهو يذهب ويجيء وتُعرف الكراهة في وجهه خشية أن يكون مع الريح عذاب؟ وكم من الأمم والجيوش قد دُمرت بالريح؟
ويا لغفلتنا... ويا لقسوة قلوبنا... حين يخاف الآمن المجتهد الطائع ويأمن المقصر العاصي!
أرأيت أخي التفاعل مع الآيات الكونية... لقد جعلها آية وذكرى في حين صارت عند الكثيرين معصية وغفلة؟!
ومن هديه -صلى الله عليه وسلم- كذلك أن يدعو عند الريح: ( اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ ) (رواه مسلم) .
وأخيرًا:
إذا اشتدت الريح وعظم البرد فإن هذا يذكِّرنا بنار جهنم، فأشد ما نجد من البرد فهو من زمهرير جهنم كما في الصحيحين، فليت لنا فيما يمر بنا من أحداث تذكرة بالله -عز وجل- واليوم الآخر... ليتها تذكرنا بأن القوة لله جميعًا، وتملأ قلوبنا يقينًا بأن النصر من عند الله، وأن الله غالب على أمره وأنه لا يعلم جنود ربنا إلا هو؛ فتذكر أخي وذكِّر غيرك، وسبح بحمد ربك بكرة وأصيلاً.
والحمد لله رب العالمين.