شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

القيادة ودورها في بناء مصر وصناعة المستقبل

زين العابدين كامل • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المتأمل في حياة الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعيين يرى أنهم تحولوا في فترة زمنية يسيرة من رعاة في الصحراء للإبل والغنم إلى قادة للدول والأمم... فكيف تحقق ذلك؟ وكيف تم هذا التحول العجيب؟!

فتحوا بلاد فارس والروم وهزموا أعظم إمبراطوريات العالم، وفتحوا مصر وبلاد إفريقيا ووصلوا إلى الصين والهند وعبروا البحار.

نعلم جميعًا كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختار القادة -قادة الجيوش أو الأمراء-، وكيف أنه ولَّى أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قيادة جيش كبير في مهمة تاريخية واختار يومًا عليًّا بن أبي طالب -رضي الله عنه- لقيادة الجيش يوم خيبر، واختار زيدًا بن حارثة وعبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهم- لمعركة مؤتة، واختار خالدًا بن الوليد والزبير بن العوام وأبا عبيدة -رضي الله عنهم- للمشاركة في أمر القيادة في فتح مكة.

وهكذا كان الخلفاء -رضي الله عنهم- يختارون بحكمة وعلى أسس معينة وبضوابط علمية عالية... كان ذلك معروفًا في اختيار قادة الجيوش والأمراء والولاة؛ وذلك لعلمهم بخطورة أمر القيادة فكانوا يضعون الرجل المناسب في المكان المناسب ويدرسون أحواله ومؤهلاته ويعلمون أن القيادة لها ضوابط معينة والقائد لابد أن يتصف بصفات معينة، فلما أحسنوا الاختيار سادوا العالم وفتحوا البلاد.

ومن عوامل الصبر والثبات والنصرة لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "وجود القائد" قيادة تهوي إليها الأفئدة، يقول "صفي الرحمن المباركفوري" -رحمه الله-: "فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو القائد الأعلى للأمة الإسلامية، بل وللبشرية جمعاء يتمتع من جمال الخلق وكمال النفس ومكارم الأخلاق، والشيم النبيلة والشمائل الكريمة، بما تتجاذب إليه القلوب وتتفانى دونه النفوس، وكانت أنصبته من الكمال الذي يعشق لم يرزق بمثلها بشر، وكان على أعلى قمة من الشرف والنبل والخير والفضل، وكان من العفة والأمانة والصدق، ومن جميع سبل الخير على ما لم يتمار ولم يشك فيه أعداؤه فضلاً عن محبيه ورفقائه، لا تصدر منه كلمة إلا ويستيقنون صدقها" اهـ .

قيادة تهوي إليها الأفئدة... لذا لابد لنا في هذه الآونة أن نحسن اختيار القادة من الوزراء والمحافظين وأصحاب الوظائف الهامة في شتى مؤسسات الدولة، وأن نتعرف على مفهوم القيادة الصحيح وما هي صفات القائد، فإن القيادة والإدارة هما حجر الزاوية في نهوض الأمم، والثراء وحده لا يصنع المستقبل لأي بلد مهما امتلك من الثروات الطبيعية إذا ما أراد خلق نوع من التوازن ما بين الإنجازات المادية وغير المادية؛ ولهذا تصبح الحاجة لتنمية وبناء القدرات القيادية والإدارية في المجتمع مطلبًا تفرضه حتمية حفاظ الأمة الناهضة على هويتها الدينية والحضارية.

ولا يزال الخلط قائمًا بين مفهوم القيادة ومفهوم الإدارة؛ نظرًا للتشابك والتداخل ووحدة الهدف، فقد وجدت القيادة منذ القدم وكذلك الإدارة قد نشأت مع نشوء المجتمعات المنظمة مع خلاف مستويات تطبيقها بين عصر وآخر بدليل الإنجازات الشاخصة للحضارات القديمة، إلا إن الإدارة كعلم بدأ منهجيًّا مستقلاً بشكل أكبر في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حيث وضع بمجيئه حدًا فاصلاً بين الاثنين أصبحت فيه الإدارة علمًا عامًا يتضمن التخطيط والتقييم والتنفيذ والرقابة والتنسيق بين الموارد وقيادة الجزئيات؛ مما حدا بمفهوم القيادة في المجتمعات الغربية أن يأخذ طابعًا مؤسسيًّا يتلخص دوره في وضع الخطط الإستراتيجية وتحشيد موارد المجتمع.

وقد بقي مفهوم القيادة بشكل عام يغلب عليه الطابع الفردي يتجسد في صفات شخصية تصنعها عوامل ذاتية موروثة وأخرى موضوعية تصقلها الخبرات المكتسبة وتغذيها الأيديولوجيات المختلفة.

هل القائد يولد أم يصنع؟

وهو تساؤل مشهور اختلفت إجابات المتخصصين عليه اختلافًا واسعًا، فأكد بعضهم أن القيادة موهبة فطرية تمتلكها فئة معينة قليلة من الناس، وأكد آخرون أن القيادة فن يمكن اكتسابه بالتعلم والممارسة والتمرين، ولم يولد أي إنسان كقائد، فالقيادة ليست مبرمجة في الجينات الوراثية ولا يوجد إنسان مركب داخليًا كقائد.

والذي يتبين لنا أن صفات القيادة بعضها فطري وبعضها مكتسب، فبعض الناس يرزقهم الله -تعالى- صفات قيادية فطرية، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأحنف بن قيس -رضي الله عنه-: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمُ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: ( بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ) قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

فالقيادة موهبة ونعمة من الله -عز وجل- قبل أن تكون مكتسبة، رَأَى بَعْضُ مُتَفَرِّسِي الْعَرَبِ مُعَاوِيَةَ بن أبى سفيان وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، فَقَالَ: إِنِّي لأَظُنُّ هَذَا الْغُلامَ سَيَسُودُ قَوْمَهُ. فَقَالَتْ هِنْدُ: ثَكِلْتُهُ إِنْ كَانَ لا يَسُودُ إِلا قَوْمَهُ. وَنَظَرَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمًا إِلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ غُلامٌ، فَقَالَ لِهِنْدَ: إِنَّ ابَنِي هَذَا لَعَظِيمُ الرَّأْسِ، وَإِنَّهُ لَخَلِيقٌ أَنْ يَسُودَ قَوْمَهُ. فَقَالَتْ هِنْدُ: قَوْمَهُ فَقَطْ؟! ثَكِلْتُهُ إِنْ لَمْ يَسُدِ الْعَرَبَ قَاطِبَةً.

الصفحة التالية