شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعوة إلى الله بين الرفق والشدة (2) شبهات وجوابها

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمنا في الجزء الأول من هذه المقالة عن هدي الأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه- في الدعوة إلى الله، وكيف أن استعمال الرفق واللين هو الأصل في دعوتهم، وأن الشدة وإن كان لها موضع -إن احتيج إليها- إلا أنه يدور على المصلحة الشرعية وجودًا وعدمًا -كما مرَّ بيانه-.

وللأسف رأينا نفرًا من الدعاة انتهج نهجًا يخالف ما أمر الله -تعالى- به وما كان عليه السلف -رضوان الله عليهم- في الدعوة إلى الله -تعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة، فخرج على الناس يؤصِّل منهج السب والشتم "ويشخصن إنكار المنكر"، ويلفظ بوحشي الألفاظ ويتهجم على مَن خالفه بكلمات قاسية وعبارات جارحة أقرب إلى التعيير والفضيحة منها إلى النصح والإرشاد للخير، بل وصل الحال ببعضهم أن عرض صورًا عارية لبعض الفنانات على رؤوس الأشهاد مسوِّغًا ذلك بأنه على الحق فيما يقول!

وتحولت بعض الفضائيات إلى ميدانٍ للتناحر والتراشق بالألفاظ السيئة بما قد يوحي للبعض أن الدعوة لا يمكن أن يكون لها مكان وسط هذا الركام والزخم الممتلئ بالهمز واللمز والمعايرة!

ووصف بعضهم خيم المعارضين بالزنا دون بينة؛ الأمر الذي حذر منه شيخنا د."محمد إسماعيل المقدم" -حفظه الله-!

وبعضهم وهو الذي قام فيما مضى بحرق الإنجيل ودعا إلى التبول عليه، والآن لا يجد ما يطعن به على "الدعوة السلفية" إلا أنها صارت تقر لبس البدل خصوصًا د."محمد إسماعيل" ود."ياسر برهامي" -لا ندري لماذا في هذا التوقيت بالذات؟!- اللذان سكتا على تنازلات أعضاء "حزب النور" الذين يرتدون البدلة، بل والكرافتة دون الجلابية على حد قوله! - خرج على الناس وقال -منتقدًا بعض الإعلاميين- ما نصه: "إن القرآن شتم أمثالك: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) (الأعراف:176) ، هذا سب أم ليس بسب؟ ربك الذي يسب، ربك الذي يشتم... الشتيمة دي من عند الله، السب ده من عند الله!".

وجهل هؤلاء أو تناسوا لزوم الأدب وحسن الخلق في الدعوة إلى الله خاصة ومع الناس عامة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللِّعَانِ، وَلا الْبَذِيءِ وَلا الْفَاحِشِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الأدب هو الدين كله".

فالأصل المقرر إذن أن يكون المسلم عف اللسان لين القول، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن سب الشيطان، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لاَ تَسُبُّوا الشَّيْطَانَ وَتَعَوَّذُوا بِالله مِنْ شَرِّهِ ) (رواه الديلمي، وصححه الألباني) ؛ وذلك لأن السب لا يدفع ضرره ولا يغني من عداوته شيئًا، ولا مصلحة شرعية في سب الشيطان ولم يرتب الشرع ثوابًا على ذلك، وإنما في الاستعاذة بالله من شره واللجوء إلى الله -تعالى-؛ فإنه المالك لأمره الدافع لكيده عمن شاء من عباده.

إلا أن ذلك قـُيـِّد بجواز لعن الشيطان في حالة الوسوسة والكيد كما لعنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ( أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ) ثُمَّ قَالَ: ( أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ) ثَلاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ: ( إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَة ) (رواه مسلم) .

ومما يؤسف له أكثر... اغترار بعض العاملين في الحقل الدعوي ومجال الدعوة إلى الله بهذا النهج واستمرائهم له حتى سمعنا من يقول: "إن هذه هي الطريقة المُثلى التي تفلح مع هؤلاء المارقين من الليبراليين والعلمانيين والفنانين والإعلاميين... !".

وإذا ما نُصح أحدهم باستعمال النصوص الداعية إلى الرفق بالمدعوين وحسن الخلق في معاملة الخلق "كما هي طريقة الأنبياء وأتباعهم" وأن هذا الأصلح في زماننا عد ذلك ضعفًا وخنوعًا!

واحتجوا لطريقتهم هذه ببعض النصوص الشرعية -التي اشتبه عليهم فهمها وجعلوها أصلاً في هذا الباب- كالآتي:

- قالوا: إن الله -تعالى- قال في القرآن: ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) (الجمعة:5) ، وقال عن الكافرين: ( إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (الفرقان:44) ، وقال: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) (الأعراف:176) ، وقال: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ) (البقرة:13) ، وقال: ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) (المائدة:64) ، وقال: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) (المسد) .

والجواب:

إن هذا كله لا حجة لهم فيه: فإن هذا الذي ذكروه ليس من قبيل الشتم والسب ونعوذ بالله أن نصفه -سبحانه- بما لم يرد في الكتاب ولا السنة؛ خاصة ما ظاهره النقص، والأفعال الإلهية هي من صفاته -عز وجل- وهي الصفات الفعلية؛ فلا يجوز أن يوصف الرب بأنه يسب أو يشتم، وإنما هذا من قبيل التشبيه التمثيلي حيث شبَّه الله -تعالى- الكافر الذي لم ينتفع بما أعطاه الله من العقل والحواس وقد جاءته البينات والآيات بحال الحمار الذي يحمل على ظهره الكتب ولا يدري ما فيها.

الصفحة التالية