شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدعوة إلى الله بين الرفق والشدة (2) شبهات وجوابها

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة

وبحال الأنعام التي ليس لها همٌّ إلا الشهوات البهيمية من طعام وشراب وشهوة وهي خاضعة لله مستسلمة له تعرف منافعها وتتبع مالكها، والكافر بخلاف ذلك، بل يزيد عليها الكافر بأنه قد يسعى بالفساد في الأرض ويصد عن سبيل الله فهو أضل منها وأبعد عن الانتفاع.

وشبَّه -عز وجل- المنسلخ من آياته الذي استوى في حقه إيتاء الآيات والتكليف بها والتعظيم من أجلها وعدم ذلك شبهه بحال الكلب يدلع لسانه بكل حال، إن تحمل عليه -أي تشدّ عليه وتهيجه- أو تتركه غير متعرض فلهثه موجود في الحالتين جميعًا؛ فهذا تشبيه في صفة معينة، لا أنه حمار أو كلب!

ثم إن وصف الإنسان -الذي كرَّمه الله وأحسن خلقه- بهذه الأوصاف من الكذب كما نص على ذلك "النووي" -رحمه الله- وغيره.

وأما قوله -تعالى-: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ): فهذا إخبار من الله بحق وعدل عن حقيقتهم وحالهم وأنهم أولى بما رموا به المؤمنين من السفاهة وضعف العقل، ثم إن هذا كان في مقابلة وصفهم للمؤمنين -وفيهم رسول الله- بأنهم سفهاء.

ومثله قوله -تعالى-: ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا ): فهو إما خبر أو دعاء عليهم بالشح والبخل بأن يخلق -سبحانه- فيهم الشح الذي يجعلهم منبوذين من الناس، ومِن ثَمَّ كان اليهود أبخل خلق الله، وحكم عليهم باللعن -وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله-؛ لسوء أدبهم معه -سبحانه- وجحودهم لنعمه، قال الآلوسي -رحمه الله- ما ملخصه: "ويجوز أن يكون المراد بغل الأيدي الحقيقة، بأن يغلوا في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين في أغلال جهنم". فأين فيما ذكروه أن الله سب وشتم -تعالى الله عن ذلك-؟!

ثم إن هذا كله ليس فيه تعيين لأحد من الناس أو ذكره بعينه.

وأما ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ... ): فمعناها: خسرت يداه، فهذا إخبار عن حاله وعن حال امرأته حمالة الحطب وتصوير لما هما عليه في النار.

فليس في "القرآن الكريم" شتم وسب أو شيء من ذلك -حاشاه-.

- وقالوا: ذكر الله -تعالى- في القرآن أن موسى -عليه السلام- قال لفرعون: ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) (الإسراء:102) .

والجواب:

قول موسى -عليه السلام- لفرعون: ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ): كان نذارة وتهديدًا لفرعون بالنكال ووبال العاقبة والثبور -وهو العذاب والهلاك- إذا تمادى في طغيانه وغيه، وردًا على فرعون في قوله له: ( إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ) (الإسراء:101) ، مقارعة له وإظهارًا لكونه لا يخافه وأنه يعامله معاملة المثل كما قال -تعالى-: ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) (البقرة:194) ، والمقام مقام كبر واستعلاء من فرعون.

وموسى -عليه السلام- قال ذلك بحق وعلم "وليس فيما قاله فحش وسوء أدب أو عدوان"؛ فهل في هذا القول من موسى -عليه السلام- لفرعون شَبَه "ولو من بعيد" مما يقوله البعض الآن على الفضائيات من كلمات مبتذلة وألفاظ خادشة للحياء منفرة للملتزمين أصلاً فضلاً عن غيرهم؟!

- وقالوا: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يشتم ويسب ويلعن! واستدلوا: بحديث عائشة -رضي الله عنها- "وما شابهه" أنها قالت: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ، لا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا، مَا أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: ( وَمَا ذَاكِ؟ ) قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا، قَالَ: ( أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا ) (رواه مسلم) .

والجواب:

أولاً: إن نسبة السب والشتم واللعن إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وإطلاقه على هذا النحو "وكأنه هدي له أو سنة عنه" لا يجوز؛ لأن مثل ذلك ورد عنه على سبيل الاستثناء والندرة وعقوبة وزجرًا وتعزيرًا لمن وقع في مخالفة شرعية -كما سيأتي بيانه-.

ثانيًا: إن هذا الحديث لا يفيد بحال جواز ما هم عليه من الألفاظ المكشوفة والكلمات النابية، فهذان الرجلان اللذان أغضبا النبي -صلى الله عليه وسلم- استحقا توبيخ النبي -صلى الله عليه وسلم- لهما، ولا يشك مسلم أن السب الذي قصدته أم المؤمنين لا يمكن أن يصل بحال إلى ما تعارف عليه الناس اليوم من الكلمات البذيئة والفاحشة، فمثل هذا لا يظن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحال!

ومعروف أن السب لغة واستعمالاً عند العرب أعم وأوسع من الشتم والقذف فلا يلزم أن يكون بالألفاظ الخارجة والكلمات الخادشة للحياء والتي قد تصل أحيانًا إلى حد القذف والرمي بالفاحشة من البعض أو الوساطة فيها كقول بعضهم عن أحد الإعلاميين "قواد ابن قواد"، فهذا أبو ذر -رضي الله عنه- يقول: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لِي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ) (رواه البخاري وأبو داود واللفظ له) ، فكان مجرد التعيير -بحقيقة واقعة أن أمه أعجمية- يسمى سبًا، وقد أنكره النبي -صلى الله عليه وسلم- على أبي ذر.

وقد نهى الله -تعالى- عن سب آلهة المشركين لما سيؤدي إليه من مفسدة لا لذاته، ولا يقال أو يظن بأن السب الذي هو مباح، بل مندوب عند أمن هذه المفسدة يشمل استعمال الألفاظ الخارجة عن حدود الشرع والأدب -دون أن تدعو المصلحة الشرعية إلى ذلك على سبيل الاستثناء-، وإنما كان من هذا السب تسفيه آلهة المشركين وبيان عجزها وضعفها، وأنها لا تملك لنفسها -فضلاً عن غيرها- ضرًا ولا نفعًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية