الدعوة إلى الله بين الرفق والشدة (2) شبهات وجوابها
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • مع الدعاة
فزعموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يسب ويشتم مع إغفالهم ما أجاب به العلماء في ذلك ونقله النووي -رحمه الله- وغيره: "أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبِّهِ وَدُعَائِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي وَصْلِ كَلامِهَا بِلا نِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينُكَ... وَلا كَبِرَتْ سِنُّكِ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ لا أَشْبَعَ اللَّهُ بطنه، ونحو ذلك لا يقصدون بشَيْء مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ، فَخَافَ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- أن يصادف شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِجَابَةً فَسَأَلَ رَبَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وَقُرْبَةً وَطَهُورًا وَأَجْرًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَقَعُ هَذَا مِنْهُ فِي النَّادِرِ وَالشَّاذِّ مِنَ الأَزْمَانِ وَلَمْ يَكُنْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَلا لَعَّانًا وَلا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ" (انتهى من شرح النووي على صحيح مسلم) .
فلا ندري كيف يجعلون حديث: "فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا" -وما شابهه على ندرة هذه الوقائع- أصلاً في جواز ما هم عليه معرضين عن المُحكَم والمقرر في هديه وسيرته -صلى الله عليه وسلم- من عفة لسانه ورحمته بالخلق فعن أنس -رضي الله عنه- قال: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبَّابًا، وَلا فَحَّاشًا، وَلا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ -أي عند العتاب-: ( مَا لَهُ! تَرِبَ جَبِينُهُ ) (رواه البخاري) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: ( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ) (رواه مسلم) ؟!
- وقالوا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعْضُوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ وَلا تُكَنُّوا ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .
والجواب:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ ) معناه: الانتساب إلى القبيلة والعشيرة، كأن يقول: يا لفلان... من الافتخار والتكبر والتعاظم على الغير، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَأَعْضُوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ وَلا تُكَنُّوا ): قال ابن الأثير: "أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن، تنكيلاً له وتأديبًا". فهذا عقوبة لمن وقع في ذلك، وعلى هذا عمل الصحابة -رضي الله عنهم-، فَعَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ -رضي الله عنه- رَجُلاً تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ وَلَمْ يُكْنِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، قَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمُوهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي لا أَهَابُ فِي هَذَا أَحَدًا أَبَدًا، إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلا تَكْنُوهُ ) (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه كنَّى في هذا الحديث ولم يصرِّح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة: "قال أهل العلم: يجوز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة... " (انتهى) .
وذكر ابن القيم -رحمه الله- الحكمة من ذكر هن الأب فقال في زاد المعاد: "ذكر هن الأب لمن تعزى بعزاء الجاهلية فيقال له: اعضض هن أبيك، وكان ذكر هن الأب ها هنا أحسن تذكيرًا لهذا المتكبر بدعوى الجاهلية بالعضو الذي خرج منه، وهو هن أبيه، فلا ينبغي له أن يتعدى طوره" (انتهى) .
ونظير ذلك أيضًا: ما صرَّح به -صلى الله عليه وسلم- من لفظ الزنا الصريح كما في قصة ماعز -رضي الله عنه-؛ ولا غضاضة في ذلك ولا ينافي ذكر ذلك حياءه -صلى الله عليه وسلم- وما نهانا عنه من البذاءة والفحش؛ "إذ أن محل وجود الحياء في غير حدود الله"، وهو قد فعل ذلك لمصحة راجحة ومبالغة منه في الاستفصال قبل إقامة حد الرجم على ماعز -رضي الله عنه-؛ فهذا لكمال شفقته ورحمته -صلى الله عليه وسلم-.
فتبين بهذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك على سبيل الاستثناء لمن تعزى بعزاء الجاهلية والانتساب إليهم كبرًا وتفاخرًا، لا أن يكون هذا أصلاً!
- وقالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- سب الواصلة والمستوصلة فقال: ( لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ ) (متفق عليه) .
والجواب:
ما ورد في اللعن على النمص وغيره... وبيان العقوبة المترتبة على فعله ليس فيه فحش أو بذاءة، وهذا إخبار من النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لعن الله -تعالى- لمن يفعل ذلك؛ للتنفير مِن فعل هذه المخالفات، ومعلوم الفرق بين لعن النوع ولعن المعين.
- وقالوا: أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان يسب ويشتم، ودليل ذلك أنه قال لعروة بن مسعود في قصة الحديبية: ( امْصُصْ بِبَظْرِ اللاتِ ) (رواه البخاري) ، وأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم ينكر عليه أنه قال تلك الكلمة!
والجواب:
نزيدهم على ما ذكروه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أقر الصديق -رضي الله عنه-، فإنه كذلك سكت على المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- وهو يضرب بنعل سيفه على يد عروة كلما امتدت يده لتمسك بلحية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسكت كذلك على الصحابة الذين تبركوا بنخامته وتقاتلوا على وضوئه الشريف -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي كان ينهى عن أقل من ذلك من القيام له ونحوه.