أصول الحياة السعيدة بين الزوجين (1-2)
أحمد يحيى الشيخ • المرأة والأسرة
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "فمن المحبة النافعة محبة الزوجة وما ملكت يمين الرجل، فإنها معينة على ما شرع الله -سبحانه- له من النكاح وملك اليمين من إعفاف الرجل نفسه وأهله، فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام، ويعفها فلا تطمح نفسها إلى غيره، وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتمَّ وأقوى كان هذا المقصود أتم وأكمل" (إغاثة اللهفان:2/139) .
وقال -رحمه الله-:
استدل على تفضيل النكاح على التخلي لنوافل العبادة بأن الله -تعالى- اختاره النكاح لأنبيائه ورسله؛ فقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً )، وقال في حق آدم -عليه السلام-: ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا )، واقتطع من زمن كليمه عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة، ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات، واختار لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأشياء فلم يحب له ترك النكاح، بل زوَّجه بتسع فما فوقهن، ولا هدي فوقه هديه -صلى الله عليه وسلم-.
ولو لم يكن فيه إلا سرور النبي يوم المباهاة بأمته.
ولو لم يكن فيه إلا انه بصدد أنه لا ينقطع عمله بموته.
ولو لم يكن فيه إلا أنه يخرج من صلبه من يشهد بالله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة.
ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله -تعالى-.
ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأة يعفها الله به ويثيبه على قضاء وطره ووطرها فهو في لذاته وصحائف حسناته تتزايد.
ولو لم يكن فيه إلا ما يثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللقمة إلى فيها.
ولو لم يكن فيه إلا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام.
ولو لم يكن فيه إلا ما يترتب عليه من العبادات التي لا تحصل للمتخلي للنوافل.
ولو لم يكن فيه إلا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه؛ فإن تعلق القلب بالشهوة أو مجاهدته عليها تصده عن تعلقه بما هو أنفع له، فإن الهمة متى انصرفت إلى شيء انصرفت عن غيره.
ولو لم يكن فيه إلا تعرضه لبنات إذا صبر عليهن وأحسن إليهن كُنَّ له سترًا من النار.
ولو لم يكن فيه إلا أنه إذا قدم له فرطين لم يبلغا الحنث أدخله الله بهما الجنة.
ولو لم يكن فيه إلا استجلابه عون الله له؛ فإن في الحديث المرفوع: ( ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) " انتهى كلامه -رحمه الله- (بدائع الفوائد:3/158-159) .
(2) حسن العشرة بين الزوجين:
قال -تعالى-: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (النساء:19) ، وقال الله -عز وجل-: ( وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) (البقرة:237) .
فعلى الزوجين معًا أن يستحضرا في تعاملهما المودة والرحمة، ثم إنْ حدث تقصير أو سوء تصرف فلا ينسيا الإحسان بينهما، فإن القرآن يظل يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترق وتخلو من كل شائبة، ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) يلاحقها باستجاشة شعور التقوى، ويلاحقها باستجاشة شعور السماحة والتفضل، ويلاحقها باستجاشة شعور مراقبة الله؛ ليسود التجمل والتفضل جو هذه العلاقة ناجحة كانت أم خائبة، ولتبقى القلوب نقية خالصة صافية، موصولة بالله في كل حال.
ومن حسن العشرة مؤانسة الزوجة وإدخال السرور عليها وملاطفتها بشيء من اللهو المباح، فعن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: ( هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
وعنها -رضي الله عنها- قالت: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ يُبَادِرُنِي وَأُبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ: ( دَعِي لِي ). وَأَقُولُ أَنَا دَعْ لِي. ( رواه النسائي، وأصله في الصحيحين) .
وعنها -رضي الله عنها- قالت: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ. (رواه مسلم) . العَرْق: بفتح العين المهملة وسكون الراء، هو العظم الذي عليه بقية من اللحم .
قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ): "أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال -تعالى-: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي )، وكان من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: ( هَذِهِ بِتِلْكَ )، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤانسهم بذلك -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال -تعالى-: ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب:21) " (تفسير القرآن العظيم:1/477) .