شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أصول الحياة السعيدة بين الزوجين (1-2)

أحمد يحيى الشيخ • المرأة والأسرة

ومن حسن العشرة الإحسان إلى الزوجة، وعدم الإساءة إليها أو إلى أبويها، وألا يضرب الوجه أو يقبح، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وعن عمرو بن الأحوص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حجة الوداع: ( أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في حق الزوجة: ( وَلاَ تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلاَ تُقَبِّحْ وَلاَ تَهْجُرْ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) .

ولو استحضرنا هذا الأصل في التعامل بين الزوجين لعالجنا الأخطاء الزوجية بيسر كما عالجها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فينبغي التماس المعاذير، وتقديم حسن الظن، والتعامي عن الهفوات، والمسارعة إلى الاعتذار إن تبين الخطأ.

عن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: ( غَارَتْ أُمُّكُمْ )، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِىَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ. (رواه البخاري) .

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل أن يتفهم طبيعة المرأة، بأن يتنزل إلى اعوجاجها، لا أن يحاول تقويم طبيعتها النسائية التي خلقها الله عليها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) (متفق عليه) ، وفي رواية لمسلم: ( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاَقُهَا ).

وعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ وَإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقَامَةَ الضِّلْعِ تَكْسِرْهَا فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا ) (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ) (رواه مسلم) .

قال الشوكاني -رحمه الله-: "فيه الإرشاد إلى حسن العشرة، والنهي عن البغض للزوجة بمجرد كراهة خُلُق من أخلاقها، فإنها لا تخلو مع ذلك عن أمر يرضاه منها، وإذا كانت مشتملة على المحبوب والمكروه فلا ينبغي ترجيح مقتضى الكراهة على مقتضى المحبة" (نيل الأوطار:6/358) .

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي".

وكان من وصية أبي الدرداء لامرأته -رضي الله عنه-: "إذا رأيتني غضبت فَرَضّني، وإذا رأيتك غضبى رضيتك، وإلا لم نصطحب".

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "أقامت أم صالح معي عشرين سنة, فما اختلفت أنا وهي في كلمة".

والمرأة العاقلة هي التي تسترضي زوجها وتستعتبه إذا غضب، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟ ). قلنا: بلى يا رسول الله. قال: ( ودود ولود، إذا غضبت أو أسيء إليها أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .

فانظري أيتها المسلمة كيف جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- من صفات الزوجة الصالحة أن تطيب خاطر زوجها، وأن تبادر في الإحسان إليه حتى وإن كانت هي التي أسيء إليها، وتلك درجة لا يصل إليها إلا القليل.

وما أجمل ما نقل عن سُعدى زوجة طلحة بن عبيد الله؛ فعن طلحة بن يحيى عن جدته سعدى قالت: "دخلت يومًا على طلحة فرأيت منه ثقلاً، فقلت له: ما لك لعله رابك منا شيء فنُعتِبُك؟ قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنتِ، ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري كيف أصنع به. قالت: وما يغمك منه؟ ادع قومك فاقسمه بينهم. فقال: يا غلام علي بقومي. فسألت الخازن: كم قسم؟ قال: أربعمائة ألف".

وانظري كيف اهتمت لغم زوجها، وظنت أنه بسببها، فأجملت في العتبى فأجمل لها في الرد.

وللحديث بقية -إن شاء الله-...

الصفحة السابقة