البعد الغائب
عصام حسنين • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالحمد لله على نعمه، ونسأله المزيد من فضله علينا وعلى أمتنا، والتسديد والتوفيق لكل ساع لتفعيل الدستور وتحويل كلياته إلى جزئيات تحقق العدل والحياة الكريمة بكل معانيها بما ييسر على الناس عبادة ربهم -تعالى-.
إنها مسؤولية كبيرة تحتاج إلى توفيق من الله وصدق وإخلاص، ومشاورة ورجوع لأهل العلم؛ لمعرفة الأولويات ومعرفة ما يقدم ويؤخر من مشاريع القوانين.
- ونحتاج من المسؤولين التنفيذيين أن يتقوا الله في الناس، وأن يعلموا أنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأن يحذروا دعوة المظلومين -وما أكثرهم-، ولتكن هذه المرحلة بداية جديدة يستشعرون فيها المسئولية وثقل الأمانة وثقل السؤال عنها يوم القيامة.
- ونحتاج جميعًا حكامًا ومحكومين إلى أن نتوب إلى الله وأن نصلح ما بيننا وبينه ليصلح أحوالنا وما بيننا وبين خلقه، قال -تعالى-: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا . مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) (نوح:10-14) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (الأعراف:96) .
- ونحتاج في المرحلة القادمة التي تشهد وستشهد حربًا ضروسًا من خصوم المادة 2 و219 من الدستور كما صرحوا بأنها كارثية تارة وتمييزية تارة أخرى، مع أن لجنة كبار العلماء بالأزهر -جزاهم الله خيرًا- هم من وضعوها، ومن قبل رفضوا أن يكون الأزهر هو المرجعية فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية؛ لئلا تكون دولة دينية -زعموا- ووافقوا على أن يكون دوره استشاريًّا فقط كما في الدستور الآن، ثم انسحبوا وقالوا على الدستور ما قالوه، ويتوعدون في المرحلة القادمة بإسقاطه، وأنهم سيخوضون الانتخابات البرلمانية القادمة ليكونوا أغلبية، ومِن ثَمَّ يعدلون الدستور!
والسؤال هنا: لماذا دائمًا لا تحترمون نتيجة الصندوق كآلية الديمقراطية التي تزعمون أنكم تجاهدون من أجل إقرارها؟ وهل ستسقطون الدستور بالطرق نفسها التي سعيتم بها إلى تعطيل الاستفتاء عليه أم بالمنافسة الشريفة؟!
والواضح لكل ذي عينين أنها الأولى، وقد بدأتم الحرب الإرهابية التشويهية بالكذب والزور؛ لتشويه صورة السلفيين وخرجتم تقولون الشيخ "ياسر برهامي" خدع أعضاء التأسيسية، وأنه كان يكيد ويخدع، وحاولتم الوقيعة بين السلفيين والأزهر، إلى آخر ذلك... !
ونحن نقول: إن كانت نواياكم صادقة فتبينوا كما فعلت بعض القنوات ووضح الشيخ وأجاب، وأزال اللبس -والحمد لله-، وإن كانت الأخرى -وهي يقينًا- فهي إزراء واتهام للنخبة التي وقَّعت على هذه المواد بأنهم قليلو العقل وأنهم خُدعوا، وما أظنهم يرضون بذلك! ولذلك يجب عليهم التكذيب أو يسكتون ظنًا -أنه في مصلحتهم- فيحق عليهم القول فلا يستحقون أن يكونوا من أهل الحل والعقد الذين يديرون شئون البلاد!
أنتظر ردًا من النخبة المثقفة جدًّا والمفتحة جدًّا، وللعلم الورقة التي عليها توقيعاتهم موجودة وأطلب من الإخوة نشرها على أوسع نطاق؛ ليعلم شعبنا مَن الصادق مِن الكاذب... وهل سينتهون؟ أجزم بلا؛ لأنه كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) (رواه البخاري) .
- نحتاج في هذه المرحلة -وهي تشهد ما تشهده- إلى بذل الجهد والصدق مع الله -تعالى-، والجمع بين العمل الدعوي التربوي البنائي داخل المسجد وبين العمل المجتمعي؛ بحيث نكون دائمًا في الحدث، بل واستباقه، وعقد منتديات للحوار ورد الشبهات، والحديث الذي لا يمل عن الشريعة ووجوب التحاكم إليها، وبيان محاسنها وكيفية تطبيقها، فهذا هو هدفنا الأكبر من المشاركة السياسية ثم السعي في حوائج الناس التي كنا من سنين نتقرب بها لله -تعالى- ولا نزال -إن شاء الله-.
- ونحن في مسيرتنا المباركة هذه يجب أن نبيِّن للناس ما هي الدعوة السلفية، وما منهجها؟ وتوضيح كذبة التشدد والتطرف، وأن دعوتنا دعوة إلى العمل بالإسلام النقي الذي بُعث به محمد -صلى الله عليه وسلم-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في آخر عقيدته التي كتبها إلى أهل "واسط": "وكل ما يقولونه أو يفعلونه من هذا أو غيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، لكن لما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: ( مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةٌ لاَ يَضُرُهُمْ مِنْ خَالَفَهُمْ وَلاَ مَنْ خَذلَهُمْ حَتَّى تَقُومُ السَّاعَةُ ) (متفق عليه) ، فنسأل الله أن يجعلنا منهم... " اهـ .
- ونحتاج أشد مما سبق إلى التذكير بكثير من القضايا المهمة، منها:
أولاً: التبيُّن والتثبت:
ومن أحكامه:
1- عدم قبول أخبار الفساق والكذابين إلا بعد التبين، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) ، والفاسق هو الكذاب والمعلن بالذنب.