شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

البعد الغائب

عصام حسنين • قضايا معاصرة

ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم كاذب أو معلن بالذنب بخبر فتثبتوا؛ لئلا تصيبوا قومًا بخطأ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين بسبب العجلة وترك التأني، وقد ذكر غير واحد من السلف أنها نزلت في الوليد بن عقبة -رضي الله عنه- حين بعثه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية الحارث بن ضرار ملك بني المصطلق. وهناك رواية مرسلة عن مجاهد وقتادة أذكرها؛ لتعلقها بسبب المقالة، فعن قتادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث الوليد بن عقبة مُصَّدِّقًا إلى بني المصطلق فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم -وفي رواية: لإحنة كانت بينه وبينهم-، فرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره أنهم ارتدوا عن الإسلام. فبعث نبي الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يَعْجَل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً، فبعث عُيونه فلما جاءوا أخبروا خالدًا أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، فنزلت هذه الآية، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( التَّأَنِّي مِن الله والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ ) (رواه أبو يعلى والبيهقي، وحسنه الألباني) .

وعليه فمعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم كاذب أو معلن بالذنب بخبر فتثبتوا؛ لئلا تصيبوا قومًا بخطأ؛ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين بسبب العجلة وترك التأني.

قال القرطبي -رحمه الله-: "وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلاً؛ لأنه أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعًا؛ لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يُبطلها..." (راجع تفسير ابن كثير والقرطبي) .

فهل هذا هو منهج أحدنا عند تلقي الأخبار: التأني والتريث والتثبت؟!

2- أخذ الخبر من مصدره الأصلي -إن أمكن-: وإلا فمن أهل المكان الثقات، وتعضيد الشاهد بآخر؛ لأنه ربما يخطئ الواحد أو يقل ضبطه، وكم من حادثة مرت بي ومن ثقة أمين إلا أنه لم يضبط، فعلمتني ما ذكرته هنا وأؤكد عليه، ولا ينافي ذلك قبول خبر الواحد العدل، وإنما هو مزيد توثيق؛ لتغير الزمان خاصة الأخبار الخطيرة المتعلق بمآل الدعوة.

فلقد كان القاضي أبو يوسف -رحمه الله- يطلب تزكية الشهود لتغير الزمان وضعف الديانة وتفشَّي الكذب، وكان عمر بن عبد العزيز يقضي في المدينة بشاهد واحد ويمين، فلما صار إلى الشام لم يقبل إلا شاهدين لما رآه من تغير عما عرفه من أهل المدينة (انظر إعلام الموقعين لابن القيم 3/85) . ثم رد الخبر إلى أهل العلم والخبرة، وهذه هي:

ثانيًا: المرجعية والثقة بها:

فكم من المشاكل التي عوَّقت مسيرتنا بسبب غياب أو ضعف هذا الأصل الشرعي؛ فما أحوجنا إليه في هذه المرحلة! قال -تعالى-: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً ) (النساء:83) .

هذه الآية الكريمة أصل في قضية المرجعية، وأنه لا بد للناس من مرجع يرجعون إليه، قال ابن كثير -رحمه الله-: "ينكر -تعالى- على مَن يبادر إلى إشاعة الأمور قبل تحققها، فيُخبر بها ويُفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها أصل من الصحة، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك: نهى عن قيل وقال، أي: كثرة الحديث عما يقوله الناس دون تثبت أو تدبر أو تبين، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم في مقدمة صحيحه) ، وقال: ( بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . ومعني: ( يَسْتَنْبِطُونَهُ ) أي: يستخرجونه من معادنه" (اهـ بتصرف من تفسير ابن كثير) .

ونبهت خاتمة الآية على أن الخروج عن هذه المرجعية له آثاره السيئة، فقال -تعالى-: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته -أيها المؤمنون- بهذا التوجيه العظيم؛ لكان هناك خروج واتباع للشيطان -والعياذ بالله تعالى-.

وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي... وفيه قال حذيفة: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: ( نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ) (متفق عليه) .

وجماعة المسلمين الذين أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بلزومهم هم: أهل العلم المستمسكون بما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-.

سئل إسحاق بن راهويه -رحمه الله- عن الجماعة، فقال: "عالم متمسك بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة"، ثم قال: "لم أسمع عالمًا منذ خمسين سنة كان أشد تمسكًا بأثر النبي -صلى الله عليه وسلم- من محمد بن أسلم".

وسئل ابن المبارك -رحمه الله- عن الجماعة الذين ينبغي أن يُقتدى بهم، فقال: "أبو بكر وعمر" فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، قيل: مِن الأحياء؟ قال: "أبو حمزة السكري". وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك" (راجع الاعتصام للشاطبي -رحمه الله-) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية