البعد الغائب
عصام حسنين • قضايا معاصرة
ويضاف -إلى ما سبق من صفات- صفة الخبرة بالواقع والقدرة على الربط بين الواقع والأدلة الشرعية، وقد أحسن ملتقى علماء مصر عندما سمع من إخوانه في الجمعية التأسيسية حتى تم الاقتناع بالموافقة على الدستور، وهذا ما نريده في جميع الأمور القادمة -إن شاء الله- حتى تجتمع الكلمة وتأمن الدعوة، ويحدث المآل الحميد.
ثالثًا: قضية المآل:
أي: فقه ما تؤول إليه الأمور.
قال الشاطبي -رحمه الله-: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك... ".
وهي قاعدة متفق عليها بين العلماء، قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وهي قاعدة متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها"؛ لذلك فهو يحتاج إلى دقة نظر وعمق بحث فيما يستجد أو ينزل من الأمور سواء الأقوال أو الأفعال، فإن كانت نتائجها تتفق مع مقصد الشارع من تشريعها أمر بها، وإن كانت لا تتفق منعها ابتداء؛ لأن الدفع أسهل من الرفع.
وضوابط هذا النظر:
1- ترجح حصول المآل سواء أكان مصلحة أم مفسدة، وذلك بغلبة الظن على أقل تقدير.
2- أن يكون النظر على وفق مقاصد الشريعة.
3- أن يكون المآل المتوقع منضبطًا في علته وحكمه.
ومثاله من كتاب الله -تعالى-: قوله -عز وجل-: ( وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام:108) ، حيث نهى الله -تعالى- عن سب معبودات المشركين مع أن فيه مصلحة، وهي تخذيل المشركين وتوهين أمر الشرك، لكن لما وُجد له مآل آخرٍ مراعاتُه أرجح، وهو: سبهم الله -تعالى- وملء ما في السماوات والأرض سبًّا في الأوثان لا يزن انحرافهم بكلمة واحدة في شأن الرب -سبحانه- نهى عن هذا العمل المؤدي إليه مع كونه سببًا في مصلحة، ومأذونًا فيه؛ لولا هذا المآل".
قال النووي -رحمه الله-: "وفي هذا الحديث... إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي: خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيمًا؛ فتركها -صلى الله عليه وسلم-... " اهـ .
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "يستفاد من هذا الحديث: ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه: ترك إنكار المنكر؛ خشية الوقوع في أنكر منه" اهـ .
وقد عمل أهل العلم في كل زمان ومكان بهذه القاعدة -فيما نزل بهم من نوازل- التي هي من أسس السياسة الشرعية، وهذا نحتاج إليه في مرحلتنا هذه أكثر مما سبق؛ لأن الصراع محتدم والنفوس مشحونة، وهناك من يريد للبلد عدم الاستقرار وجر البلاد إلى حرب أهلية، وقد حدثت مقدمات له، لكن الله سلَّم بحكمة المشايخ والعلماء كما فعل الشيخ "المحلاوي" -حفظه الله- من منع الشباب من المجيء إلى محيط المسجد، وكذا كثير من الشباب الذي لم يقدم على شيء إلا بعد الرجوع وسؤال المشايخ.
ويجب أن نعلم أن جميع الناس محل دعوة لنا، ويمكن عن طريق التفاهمات مع رؤوس هؤلاء الشباب -إما المدفوع حماسة أو المستأجر- أن ننهي هذا الاحتقان، وقد جربنا فنجحنا مع من استطعنا الوصول إليه بتخذيله أو إقناعه بحرمة الدم والمساجد وأهل العلم.
وأعجبني جدًّا ما فعله المسلمون في "هولندا" إبان عرض النائب الهولندي "فيلدرز" فيلمه المعادي للإسلام: "فتنة"!
أولاً: دعت جمعية الأئمة كل المسلمين شيوخًا وشبابًا إلى الرزانة والهدوء والتعقل، وأن يتوخوا الحكمة في الردود، وحذرتهم من القيام بأفعال سلبية تعود بالضرر عليهم، وعلى المجتمع عمومًا.
قالت في بيان لها: "إن أي رد فعل عنيف يخدم أعداء الله الإسلام، ويصب في نفس الهدف الذي يريد "فيلدرز" نفسه، وهو زرع فتيل الصراع بين أفراد المجتمع".
قلتُ: وهو ما يريده خصوم الدعوة الآن، فالحذر... ولزوم ركب العلماء وإرجاع الأمور إليهم كما أمرنا شرعًا.
ثانيًا: عقد شباب مسلمون من أبناء الجيل الثاني ورشة عمل حوارية في ضاحية "بأمستردام"؛ لاحتواء تداعيات الفيلم الذين شاهدوا عرضًا له، وفي أثناء هذه الورشة أشهر أحد الهولنديين إسلامه ليصبح ثالث شخص دخل في الإسلام خلال أسبوع واحد ردًّا على عبارة انتهى بها الفيلم تقول: "أوقفوا أسلمة أوروبا".
ثالثًا: فتحت جميع المساجد الهولندية أبوابها للرد على استفسارات الهولنديين بشأن القرآن الكريم والإسلام، وقامت مؤسسة النشر السعودية "دار البينة" بإعلان بدء مشروع توزيع الكتاب الخيري باللغة الهولندية تحت شعار: "نصرة القرآن الكريم من الانفعال للفعل"، وتعدى الاهتمام والإقبال المتزايد طور التوزيع إلى طور الشراء حتى نفدت تقريبًا الكتب والمصاحف الإلكترونية المترجمة. (راجع موقع: مفكرة الإسلام) .
وهكذا يكون موقفنا: "من الانفعال للفعل بالحكمة والموعظة الحسنة".
والله -تعالى- أعلم.