من محطات السلفية... "العلامة المقدم"
عصام حسنين • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلقد ساهمت أسباب كثيرة في ضعف أو عدم معرفة الناشئة أو الملتزمين حديثًا -ونحمد الله على هذه الصحوة ونسأله المزيد من فضله- بعلمائهم الربانيين، خاصة من خصهم الله بأن يكونوا محطات للدعوة؛ نشرًا للعلم وتأصيلاً لمنهج التلقي السلفي الصافي وتربية الأمة عليه وإعداد الرجال إعداداً متكاملاً، وإقامة للدين في أنفسهم وفي غيرهم حتى آتت الدعوة أكلها، وطابت ثمارها -والحمد لله-.
فمن باب: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، و"من صنع إليكم معروفًا فكافئوه"، و"أعط كل ذي حق حقه"، ينبغي على الصفوف التي تربت على أيدي هؤلاء المشايخ أن يُعرفوا شبابنا هذه المحطات من العلماء؛ ليعرفوا فضلهم، ولينهلوا من بحر علمهم وأدبهم لا كما نرى من البعض جحودًا أو تطاولاً أو تركًا لسلم المرجعية أو التعدي فيه.
ومن هذه المحطات المباركة:
"فضيلة الشيخ العلامة محمد إسماعيل المقدم" أحد مؤسسي المدرسة السلفية بالإسكندرية سنة 1977م، وحكيمها وراعي مسارها مع إخوانه المشايخ الكبار الذين بعضهم ثمرة من ثمارها، قد ألقى الله له القبول في قلوب الجماعات العاملة في الساحة الدعوية، ويعترفون بفضله ومنزلته، وأحسب أن الله -تعالى- سيجمع أغلبهم على منزلته وفضله كما جمع أغلبهم من قبل على الأئمة الأعلام: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين -رحمهم الله-؛ لاسيما عند الاختلاف والنوازل.
- قال عنه الشيخ سيد العفاني في كتابه: "زهر البساتين من مواقف العلماء والربانيين": "ومسك الختام، فارس الإسلام المدافع عن الهوية الإسلامية ومقدم السلفية بمصر وشيخها المبارك، ونصير المرأة المسلمة، صاحب عودة الحجاب قذى عيون المبتدعة شيخنا محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-، إيه يا أبا الفرج إيه يا شيخي وسيدي والله لا يكفي مجلد لكتابة أثرك وفضلك، إن أرجى أعمالي حبي لك في الله، أتقرب إلى ربي بهذا".
- حمل الشيخ على عاتقه نشر المنهج السلفي بعمق وتأصيل، وذكر عن نفسه أنه عوَّد نفسه ألا يتكلم في قضية إلا بعد أن يأتي على جميع جوانبها، وكانت تظهر في صورة بحث، وربما أجَّل فيها الحديث حتى يُتم دراستها!
- ومن عجيب أمره: التدقيق الشديد والدقة فيما يلقيه، ويظهر ذلك في المحاضرات المسجلة فلا يسمح بخروجها للناس إلا بعد مراجعته لها وربما غيَّر جملة أو صحح شيئًا -جزاه الله خيرًا-؛ بالإضافة إلى الأدب الجم واحترام أهل العلم، والتزامه الشديد بالأدب مع مخالفيه.
- كل ذلك جعل له قدم صدق عند جميع الطوائف ويتلهفون لسماع محاضراته وتتبع مؤلفاته، وآرائه في النوازل والمواقف؛ لعلمه الواسع بالواقع، وليس كما يظن البعض أنه يعيش بين بطون الكتب منفصلاً عن الواقع، بل والله إن تكلم في النازلة أتى بالعجب العجاب تحليلاً للأخبار كأنه محلل سياسي ويصور لك الواقع تصويرًا جيدًا، ثم يبين التصرف الشرعي حياله بطريقة بارعة تنم عن علم مؤصل وتسديد من الله وتوفيق.
- وكثيرًا ما رأيتُ شيخنا الشيخ "ياسر برهامي" يعجبه ذلك جدًّا ويستدل بكلامه ويجله ويحترمه، وكذا بقية إخوانه لفضله وسابقته، وفعلاً أعلم الناس بالسياسة الشرعية هم أعلم الناس بالشرع؛ لذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ ) (متفق عليه) ، لا كما يظن البعض ويرمينا بالجهل أو عدم الخبرة! إلى غير ذلك مما يثبت الواقع عكسه.
فالمواقف السياسية للدعوة السلفية إلى الآن نابعة من السياسة الشرعية علمًا بالشرع وخبرة بالواقع وتطبيقًا للمقاصد، وذلك توفيق الله وفضله يؤتيه من يشاء، ومن ذلك:
- موقفه -الذي هو موقف الدعوة من "ثورة 25 يناير" والانفلات الأمني- لما ظهر من يريد حذف المادة الثانية من الدستور... فكان الموقف: الاجتماع مع مختلف الفصائل عند نقطة يلتقي عليها الجميع حتى الصوفية "الحفاظ على الهوية الإسلامية ومرجعية الشريعة لمختلف القوانين"، وكانت جملته المشهورة وقتئذٍ: "عند الشدائد تذهب الأحقاد".
- وموقفه من: المشاركة السياسية وإنشاء حزب وخوض الانتخابات، والانتقال بالدعوة إلى المؤسسية، واستفتاء "19 مارس"، والمجلس العسكري، والمبادئ فوق الدستورية ووضع الدستور.
وللعلم: محاضراته حول الهوية وتأصيلها كان قبل الثورة بسنين... وكذا فضح العلمانية وأقزامها، والتأصيل لقضية الشريعة والحكم بما أنزل الله من القضايا الأساسية في المنهج، وهذا يدل دلالة قاطعة على أنها دعوة واحدة مؤسسية.
كما ظهر إنصافه في التصريحات الأخيرة التي رد فيها على بعض الهدامين الذين يريدون أن يهدموا هذا الصرح للدعوة السلفية المباركة بهذه الأكذوبة، والتي جاءت تصريحات الشيخ قاتلة لهم، قاضية على مؤامراتهم؛ فماذا سيقولون الآن؟! إن كانوا منصفين فينبغي أن يراجعوا مواقفهم، وأن يسعوا في طريق الإصلاح والاجتماع.
- من مواقفه -التي أعتبرها الآن فارقة، قاضية على جميع الظنون-: موقفه من دعوة الفرقة والاختلاف بين التيار السلفي حيث دأب البعض على استخدام مصطلح أحدثوه؛ لغرض التفريق وهدم الكيان، وهو: "سلفية الإسكندرية"، وإن كان لابد من معرفة الفضل ونسبته لأهله كما ذكرتُ من قبل، وللعلم أيضًا: إن غالب علماء السلفية يعرفون ذلك، وجزاهم الله خيرًا على إنصافهم.
- ولقد رد الشيخ على هذه الفرية في ثنايا محاضرة له، ثم تأتي هذه التغريدة على تويتر قاطعة لها، ومفرحة لقلوب العاملين الداعين إلى الله بالمنهج السلفي كما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمته عليه، تقول التغريدة: "لست من آسيا، أنا من أفريقيا ثم من مصر ثم من الإسكندرية تمامًا كانتمائي الديني، فأنا والحمد لله مسلم ثم سلفي ثم أنتمي إلى الدعوة السلفية بحكم التاريخ والجغرافيا والمنهج بدون أي تعارض بين هذه الانتماءات، ولائي (العام) لأهل الإسلام ثم (الخاص) لأهل السنة والجماعة على اختلاف مسمياتهم، ثم (الأخص) للاتجاه السلفي الذي تمثِّله المدرسة السلفية السكندرية". وأنا بدوري أشكر المذيعة -هداها الله بهداه- التي كانت سببًا في استخراج هذا المكنون الانتمائي المبارك.