لا تهدموا البنيان وتفتتوا الكيان إن كنتم صادقين
زين العابدين كامل • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأحيانًا يشعر الإنسان بضيق في صدره وألم في قلبه بسبب بعض التصرفات من بعض الإخوة من أبناء الدعوة، وهنا ربما يخطر ببال الإنسان أن يترك هؤلاء الإخوة ويبتعد عنهم، ولكن للفقه بالواقع وإدراكه وسعة الأفق لا يستجيب لهذه الأفكار الهدامة؛ ليحافظ على كيان الدعوة وتماسك أبنائها الذي هو في الحقيقة لبنة في بنيان الدعوة المباركة، وهكذا يجب أن نكون جميعًا.
يجب أن نقدِّم مصلحة الدعوة على المصلحة الشخصية ونتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وأن تكون لنا نظرة واعية بشمولية عالية لمثل هذه الأمور.
لابد أن نشعر بخطورة هدم البنيان وتفتيت الكيان وأن هذا جرم عظيم، فلابد من الإخلاص للدعوة وللمنهج ووقفة مع النفس لتصحيح المسار، وعودة إلى المنهج النبوي وسيرة الصحابة -رضي الله عنهم-، اللهم اجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم.
وقد حرص الإسلام على هذا المعنى، قال -تعالى- في سورة آل عمران: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:103-104) ، وقال -تعالى- في سورة الأنفال: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:46) .
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وفي الحديث عن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا جَمِيعًا وَلا تَفَرّقُوا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) (رواه الترمذي وابن حبان، وصححه الألباني) ، وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي أيوب -رضي الله عنه-: ( أَلا أَدُلُّكَ عَلَى تِجَارَةٍ؟ ) قَالَ: بَلَى، قَالَ: ( صِلْ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَقَرِّبْ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا ) (رواه البزار، وقال الألباني: حسن لغيره) ، ولما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، قال: ( يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا ) (متفق عليه) .
ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الفرقة، فعن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ ). فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ومن ذلك أيضًا: بعض التوجيهات النبوية في أمر الصلاة، فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَين المنكاكب وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلا تَذَرُوا فرجات للشَّيْطَان وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهُ قطعه الله ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ: ( لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ وذلك من باب الحفاظ على وحدة الصف.
فإياك يا أخي أن تكون سببًا في الفرقة وشق الصف وكن سببًا في التقريب بين إخوانك، وفي أمثال العرب: "وإذا تفرقت الغنم قادتها العنز الجرباء". وفي الأمثال السائرة: "بالساعد تبطش الكف، ولن يعجز القوم إذا تعاونوا".
وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "كدر الجماعة خير من صفو الفرد".
وقال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:
لولا الجماعة ما كانت لنا سبل وكـان أضعـفـنا نـهـبًا لأقـوانـا
يقول الشيخ الفاضل محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-: " من يتسبب في الفرقة ويتسبب في تمزيق الكيان الموحد والمتناسق ويشمت بنا الأعداء، ويعين من يريد إطفاء نور الإسلام؛ لأهواء شخصية أو انتصارًا لنفسه "ولو على حساب الدعوة"... نذكره بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهُ قطعه الله ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) " اهـ .