شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لا تهدموا البنيان وتفتتوا الكيان إن كنتم صادقين

زين العابدين كامل • مع الدعاة

ومع أن الاختلاف واقع قدرًا إلا أن المطلوب منا شرعًا كيفية التعامل معه، فقد قدَّر الله على البشر الاختلاف فقال: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) (هود:118-119) . قيل: للرحمة خلقهم. وقيل: للاختلاف خلقهم.

والاختلاف واقع -لا محالة- بين البشر عامة، وبين الأمة كذلك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال: ( وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَةً ). قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

ومع أن الاختلاف واقع قدرًا إلا أن المطلوب منا شرعًا كيفية التعامل معه، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران:105) ، لكن هناك فرق بين اختلاف التنوع الذي لا بأس به -بل هو مطلوب لتحقيق التكامل- واختلاف التضاد غير السائغ المذموم؛ لأنه يفرِّق ولا يجمع، وهناك فرق بين الخلاف من أجل الوصول للحق، وافتعال الخلاف من أجل الدنيا والتنافس عليها -والعياذ بالله-.

لقد ربط الله بين قلوب الصحابة وملأها بالحب والمودة والرحمة، وإن أعظم الأدلة على ذلك أن ابن مسعود -رضي الله عنه- لما علم أن عثمان -رضي الله عنه- قد أتم الصلاة بمنى استرجع ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: "استرجعت ثم صليت أربعًا؟!"، فقال: "الخلاف شر".

وقال بعض العلماء: الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته، ومعاتبته خير من القطيعة، والقطيعة أحسن من الوقيعة.

وقال محمد بن الحنفية -رحمه الله-: "ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدًّا حتى يجعل الله له منه فرجًا".

فعلى المبتعدين عن دعوتهم وعن إخوانهم أن يدركوا ويتدبروا مثل هذه المعاني الطيبة، وأن يجتهدوا في أن يكونوا إضافة جديدة إلى المشروع الإسلامي وألا يكونوا خصمًا يهدم البنيان، الدعوة ستستمر -بإذن الله تعالى- والمنهج لن يتأثر، بل سيقوى.

تذكرتُ ما فعله "محمد علي" باشا لهدم وإجهاض دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخنقها يوم أن شن حربًا لا هوادة فيها ضد الدعوة، وجهز الحملة تلو الحملة للقضاء عليها، وقد سخر "محمد علي" باشا للحرب على الدعوة إمكانات مصر وبلاد الشام، مع الدعم غير المحدود من دولة الخلافة، وارتكب الفظائع واستباح الديار والأموال والنساء وهدم المدن، فكان هو وابنه "إبراهيم" وسائر أولاده طغاة من شر الطغاة!

واستطاع "محمد علي" باشا استرداد الحجاز بما فيها مكة والمدينة والحرمين الشريفين، وزحفت قواته بقيادة ابنه "إبراهيم" باشا على الدرعية عاصمة نجد، وتم تسويتها بالأرض بطريقة غادرة ماكرة، جسدت الخيانة ونقض العهد بصورة واضحة، وذلك في ذي القعدة 1233هـ - سبتمبر1818م.

وبهذا تمكن "محمد علي" باشا من إجهاض مشروع الدولة الإصلاحية السلفية، وعزله في حدود الصحراء العربية، وقدَّم بذلك خدمة لا نظير لها للدول الغربية الاستعمارية التي كانت قد ارتاعت من هذه الحركة التوحيدية الفتية التي كانت ترفع راية الجهاد ضد الغزاة، لا سيما بريطانيا العظمى التي كانت تخطط لبسط نفوذها على شبه الجزيرة العربية والخليج العربي بهدف التحكم في الطريقين البحريين الرئيسيين إلى الهند.

وأما الدعوة السلفية في حد ذاتها فلم يستطع القضاء عليها؛ لأنها كانت قد تأصلت في القلوب وباتت جزءًا لا يتجزأ من الواقع في جزيرة العرب، كما أنها كانت قد انتشرت لا سيما لدى الخاصة من العلماء والدعاة في أنحاء عدة من بلاد العالم الإسلامي، مثل: المغرب، والهند، ومصر، واليمن، وغيرها.

فاحذروا من هدم البنيان وتفتيت الكيان إن كنتم مخلصين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة