شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مبادرة "حزب النور"... محاولة لحقن الدماء

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فجميع الإسلاميين يحفظون عن ظهر قلب الدروس المستفادة من صلح الحديبية، وعلى رأسها: أن حقن الدماء ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً من أهم مقاصد الشريعة حيث رضي -بأمر الوحي- النبي -صلى الله عليه وسلم- بتقديم تنازلات للكفار الذين صدوه عن البيت الحرام رغم ما توارثوه من ميثاق غليظ ألا يصدوا أحدًا عن البيت! ومع استطاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدخل عليهم مكة عنوة، ولكن أمره الله بالرضا بتأجيل العمرة رغم انعقاد إحرامها سنة كاملة؛ لأن ذلك مع حفظ الدماء أولى من إتمامها مع احتمال إراقة الدماء.

وعندما وجد الصحابة -رضي الله عنهم- في أنفسهم من ذلك أنزل الله مبينًا لهم ذلك: ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (الفتح:25) .

ومما نستفيده أيضًا من هذه القصة:

- أن هذا الموقف لا علاقة له بمقدار انحراف الطرف الآخر أو حسن أو سوء ظنه، فالطرف الآخر في هذه الواقعة متلبس بثلاث جرائم مجتمعة وهي "الكفر - الصد عن سبيل الله - منع الهدي من بلوغ محله"، وإنما تجري الموازنة بين مآلات الحال لكل تصرف نقدم عليه نحن.

- أن التنازل اختياريًّا عن حق لك هربًا من مفسدة أكبر -لا سيما إذا كان الخصم يلجئك إلى ذلك إلجاءً- أمر مقبول جدًّا عقلاً، ولكنه شاق على النفوس؛ إلا أن هذه المشقة تزول بتلاوة الآيات واليقين بأن النصر هو في اتباع السنن الشرعية "وإن بدا للبعض في خلافها!".

- محاولة استثارة الخير الكامن في بعض المخالفين وإن كان جزئيًّا أمر محمود، ومن ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة أن يرسلوا الهدي بين يدي سهيل بن عمرو؛ لأنه من قوم يعظمون الهدي؛ أملاً في أن يدفعه هذا لابداء موقف أكثر مرونة.

- أن تصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الواقعة مع فداحة ما تلبس به الطرف الآخر يجعلها تصلح قاعدة عامة من باب أنها من التنبيه بالأعلى على الأدنى.

وانطلاقًا من هذه القاعدة العامة تصرفت "الدعوة السلفية" ومِن بعدها ذراعها السياسي: "حزب النور" في مواقف كثيرة، وبالطبع وُجد في كل موقف مَن يعترض علينا من باب أنه لا بأس بالتضحية ببعض الدماء "رغم القدرة على حقنها!"، وعندما نحاول أن نتلمس مواطن إنكارهم علينا يصعب في كثير من الأحيان علينا معرفة وجه الاعتراض:

- هل اعتراضه على الحكم ذاته؟

- أم أن اعتراضه على أن تلك الواقعة -موضوع الاعتراض- شاب تطبيق الحكم فيها خلل فيرشدنا إليه؟

وفي كلا الحالتين... فالواجب على المسلم هو حسن الظن التزامًا بقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) (الحجرات:12) .

ولكن الذي يحدث في كثير من الأحيان هو الخروج عن التقييم الموضوعي إلى الطعن في النوايا، والذي كثيرًا ما يتجاوز فيه صاحبه من التعبير عما يجيش في نفسه من سوء ظن إلى الحكاية بصيغة الجزم عن مؤامرات أعدها فلان... واتصالات أجراها علان... وكأنها كانت واقعًا يراه بعيني رأسه! وهي أمور نربأ بإخواننا عنها، ونسأل الله لنا ولهم غفران الذنوب وستر الخطايا، وإقالة العثرات.

ومع تكرار هذه الحوادث... إلا أنه كان من الأمور المستغربة استغرابًا شديدًا أن تثور هذه الأمور تعليقًا على "مبادرة حزب النور" للخروج من الأزمة الراهنة، والتي بلغت أوجها في "الذكرى الثانية للثورة"، والتي تزامنت مع الحكم في قضية "مجزرة بورسعيد" التي أسفرت عن وجود عدة بؤر ملتهبة، أبرزها: "مدن القناة الثلاثة، والقاهرة والإسكندرية"، وأصبح عدد القتلى والجرحى في تزايد يومي بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر، وظهرت جماعات "البلاك بلوك" وروَّعت الآمنين، وأصيب المواطن غير المُسيَّس بحالة من الفزع والسخط على الجميع؛ صحيح أن سخطه على المخربين أشد إلا أنه في ذات الوقت يطالب نظام الحكم بأن يحل له المشكلة.

وكررت مؤسسة الرئاسة نداءها للجميع بالانضمام إلى الحوار الوطني، وخصت بالذكر كلاً من الدكتور "البرادعي" والأستاذ "حمدين صباحي" من جبهة الإنقاذ، والتي يُتهم "حزب النور" بالخيانة العظمى؛ لأنه تحاور معهم!

وقبل أن نبين تفاصيل ذلك الحوار نريد أن نؤكد على عدة معانٍ:

1- لم يسبق لحزب النور التحالف مع أي حزب غير إسلامي، ومع هذا فلم نشنع على من أداه اجتهاده إلى التحالف مع أحزاب غير إسلامية، ومن المعلوم أن "حزب الوفد" و"حزب الكرامة" بقيادة "حمدين صباحي" آنذاك كانا ضمن التحالف الديمقراطي بقيادة "الحرية والعدالة"، ومن خلال هذا التحالف نجح الدكتور "وحيد عبد المجيد" و"أبو عيطة" و"أمين إسكندر" و"منير فخري عبد النور"، وغيرهم ممن هم رموز في الجبهة الآن.

2- كان أداء ممثلي حزب النور داخل التأسيسية هو المجادلة بالتي هي أحسن والمرونة في إيجاد الحلول طالما تحقق المقصود؛ مما أسهم في حسن العلاقة مع رموز الجبهة، ولكنهم لما حاولوا الوصول إلى أقل من طموحات أبناء التيار الإسلامي في هذه المرحلة كان لـ"حزب النور" وقفة يعلمها الجميع -نسأل الله أن يجعلها في ميزان الحسنات-.

3- منذ أن تكونت جبهة الإنقاذ على إثر الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس "مرسي" والذي تحفظت عليه "الدعوة السلفية" و"حزب النور" ومع هذا عندما صدرت من داخل الجبهة وخارجها دعاوى بإسقاط الرئيس "مرسي" - شاركت الدعوة في "مليونية 1 ديسمبر" بشكل يعلمه الجميع، وكان هذا بعد تشكيل الحكومة والتي يرى البعض أن ما لا يروقه من تصرفاتنا راجع إلى غضبنا من عدم تمثيلنا في الحكومة.

الصفحة التالية