مبادرة "حزب النور"... محاولة لحقن الدماء
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ونسي أن حزب النور ليس هو من دعا إلى الحوار في ذلك اليوم تحديدًا، وإنما دعت إليه الرئاسة وكان الحزب -ونحن- جزءًا منه شأنه شأن غيره، فمن يريد أن يوجِّه هذا الاعتراض فليوجهه إلى الرئاسة والتي ما زالت تصر على الحوار، وإلى كل الأحزاب التي حضرت الحوار الرئاسي وهي تعلم أن الجبهة مدعوة فيه، ومنها: "الحرية والعدالة" و"البناء والتنمية" و"الوسط".
وفي حالة توجيه هذا الاعتراض بهذه الصورة فإننا سوف نصر على أنه لو أمكن إيقاف نزيف الدم حالاً فهو الواجب بدلاً من انتظار أن يدرك كل الشعب الحقيقة وتتمكن الشرطة من بسط نفوذها ويُحكم الجيش السيطرة "في حين أن الجيش يطلق التحذير تلو الآخر من انهيار الدولة".
بل إن أحد من استنكر على "حزب النور" هذه المبادرة كان الدكتور "البلتاجي" الذي تصادف أن يكشف الدكتور "مصطفى النجار" في مقال له بعنوان: "عشاء الماريوت وجريمة البحث عن التوافق" عن لقاء جمعه وآخرين من زعماء الجبهة مع رموز من الجانب الإسلامي كان منهم الدكتور "البلتاجى" والدكتور "حلمي الجزار" (طبعًا حدود الحوار والقبول والتوافق عند الدكتور حلمي تتخطى هذا المقدار بكثير كما يعلم ذلك المتابع، ولا أريد أن أخوض في هذا الأمر أكثر من ذلك!)، وكان معهم أيضًا "نادر بكار" وهذا أمر جيد، ولكن لماذا ينكر عين ما كان يفعله؛ لا سيما وأن دعوى عدم إعلان الأمر في الإعلام كان في هذه المرة من نصيب محاولة الدكتور "البلتاجي" بينما ونتيجة انتقادات وجهت في مواقف أخرى حرص "حزب النور" أن يعلن عن تفاصيل لقائه بالجبهة.
- البعض يسمي هذا تحالفًا!
ولا ندري أين ومتى ذكرت كلمة التحالف أو وجد في سلوك المجتمعين ما فيه شبهة تحالف، وفي أي سياق فهم هذا؟!
وإذا كان هناك من قامت لديه شبهة على وجود تحالف؛ فهلا استفصل قبل أن يذم من باب العمل بقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) .
ثم إن ثبت ذلك عند أحد فهل يجوز له الطعن في غيره "ويطعن في نيته بأثر رجعي!"؛ لا سيما إذا كان قد سبق له نصح الناس بالتصويت لقائمة التحالف الوطني، وفيها عدد ممن هم الآن رموز في جبهة الإنقاذ الوطني!
- البعض يقول: إن مبادرة حزب النور تضمنت التنازل عن ثوابت.
وقد كنا نظن أن قضيتنا هي الإطاحة بالنائب العام الذي تستر على الفساد لا أن هناك شخصًا بعينه لا يمكن أن نقبل بغيره وأن أدى ذلك إلى توتر العلاقة مع مؤسسة القضاء "مع كامل احترامنا للنائب العام الحالي".
ولم نكن نظن أن المطالبة بتغيير شخص رئيس الوزراء منكر شرعي لا سيما وأنه في حالة الاستجابة لهذا المطلب سوف يطالب الحزب بشخصية اقتصادية تكنوقراط كما سبق وأن طالب "النور" و"الحرية والعدالة" بالدكتور "الجنزوري" أيام المجلس العسكري قبل أن يتراجع "الحرية والعدالة" ويطالب بإسقاطه قبل الانتخابات بأقل من شهرين؛ لسوء أداء بعض وزرائه، وحينها طالب "حزب النور" بتغيير هؤلاء الوزراء بينما أصر "الحرية والعدالة" على تغيير الدكتور "الجنزوري" نفسه، وهي الظروف التي تم فيها حل مجلس الشعب السابق.
إن هذه المواقف تدل على أن المواقف السياسية يجب أن تؤخذ بدرجة من سعة الصدر وأدب الاختلاف، و"حزب النور" لم يطالب أحدًا أن يؤيد مبادرته وإن خالفت اجتهاده، بل إن الحزب لم يطرح الكثير من مطالبها إلا لرؤيته أن هذه المطالب كفيلة بنزع فتيل الأزمة.
- البعض الآخر يتخوف من القبول بمبدأ تعديل الدستور.
مع أن هذا الأمر وعدٌ قطعه الرئيس على نفسه قبل الاستفتاء الدستوري وكرره عدة مرات، وأصدر قرارًا بتشكيل لجانه وأصبح في حكم الواقع فقبله الحزب من حيث المبدأ، ولكن لن يتم هذا إلا بمناقشات في هذه اللجان ثم في مجلس النواب القادم وبعدها استفتاء شعبي، وسنظل ندافع عن مواد الهوية -بإذن الله تعالى-؛ إلا أن هناك أمورًا في الدستور قابلة للنقاش كتشكيل بعض الهيئات، وطريقة اختيار بعض المناصب، وتجويد صياغة بعض المواد.
البعض يقول: ولكن المبادرة لم تقدم لذوي الشأن.
وإذا استصحبنا أن ذوي الشأن هنا هي مؤسسة الرئاسة فإن الأمر تم استجابة لطلبها وقُدم إليها، وأما "حزب الحرية والعدالة" فقد دعا إلى الحوار مثله في ذلك مثل "حزب النور" وغيرهما من الأحزاب، وقدم "الحرية والعدالة" رؤيته التي منها مثلاً: استعداده لإعادة التصويت لصالح المادة التي تلزم بوضع المرأة في النصف الأول من القوائم! بينما أعلن "حزب النور" رفضه لهذا الأمر دونما تشغيب على أحد، وتم الاتفاق على أن يعلن كل حزب رؤيته في هذه الجزئية وفي غيرها على الرأي العام.
الرئاسة ترحب... الإخوان يرحبون... فهل يدرك المعترضون؟!
أعجب ما في الموضوع أنه بعد هذه الحرب الشرسة من شباب يدعي أنه من شباب الإخوان على الإنترنت ومن بعض رموزهم، بل من بعض الدعاة! خرجت مؤسسة الرئاسة على لسان الدكتور "أيمن علي" في مداخلة مع الشيخ "خالد عبد الله" لتثمِّن تلك المبادرة، ولتصف هذا السلوك بأنه السلوك الذي يتمناه لممارسة المعارضة الصادقة الناصحة، وعندما سأله الشيخ "خالد عبد الله" عن تعليقه على رفض جبهة الإنقاذ للحوار للمرة الثلاثين -كان البرنامج بعد إعلان مبادرة النور وقبل إعلان جبهة الإنقاذ استعدادهم للحوار حولها-؟ أجاب الدكتور "أيمن" بأن مؤسسة الرئاسة لن تسأم من توجيه الدعوة للحوار ولو للمرة الستين والسبعين...
وبعد أن تم اللقاء بين "حزب النور والجبهة" خرج المتحدث الإعلامي باسم الإخوان ليثمن المبادرة وليثني على قبول "جبهة الإنقاذ" للحوار بعد طول تمنُّع!
بقي أن تعرف -أخي الكريم-... أن "حزب النور" قد عقد جلسات أخرى مع حزب "الحرية والعدالة" وحزب "البناء والتنمية"، وسوف يعقد لقاءات أخرى مع بقية الأحزاب.